وقال الطبري: جعل الله تعالى الأحكام بين عباده على الظاهر، وتولّى الحكم فِي سرائرهم دون أحد من خلقه، فليس لأحد أن يحكم بخلاف ما ظهر؛ لأنه حكم بالظنون، ولو كان ذلك لأحدٍ كان أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حكم للمنافقين بحكم المسلمين بما أظهروا، ووَكَل سرائرهم إلى الله.
وقد كذب الله ظاهرهم فِي قوله: {والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] .
قال ابن عطية: ينفصل المالكيون عما لزموه من هذه الآية بأنها لم تُعَيّن أشخاصهم فيها وإنما جاء فيها توبيخ لكل مغموص عليه بالنفاق؛ وبقي لكل واحد منهم أن يقول: لم أُرَد بها وما أنا إلا مؤمن، ولو عُيّن أحد لما جَبّ كذبه شيئاً.
قلت: هذا الانفصال فيه نظر، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يَعْلَمهم أو كثيراً منهم بأسمائهم وأعيانهم بإعلام الله تعالى إياه؛ وكان حذيفة يعلم ذلك بإخبار النبيّ عليه السلام إياه حتى كان عمر رضي الله عنه يقول له: يا حذيفة هل أنا منهم؟ فيقول له: لا.
القول الرابع: وهو أن الله تعالى كان قد حفظ أصحاب نبيّه عليه السلام بكونه ثبتهم أن يفسِدهم المنافقون أو يفسدوا دينهم فلم يكن فِي تَبْقيَتهم ضرر، وليس كذلك اليوم؛ لأنّا لا نأمن من الزنادقة أن يفسدوا عامتنا وجهالنا. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 1 صـ 198 - 200}
(تنبيه)
قال ابن كثير
قول من قال: كان عليه الصلاة والسلام يعلم أعيان بعض المنافقين إنما مستنده حديث حذيفة بن اليمان فِي تسمية أولئك الأربعة عشر منافقًا فِي غزوة تبوك الذين هموا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فِي ظلماء الليل عند عقبة هناك؛ عزموا على أن ينفروا به الناقة ليسقط عنها فأوحى الله إليه أمرهم فأطلع على ذلك حذيفة. ولعل الكف عن قتلهم كان لمدرك من هذه المدارك أو لغيرها والله أعلم.