وجوز أبو حيان كون هذه الجملة بدلاً من صلة {من} [البقرة: 8] بدل اشتمال أو حالاً من الضمير المستكن فِي {يقول} [البقرة: 8] أي مخادعين، وأبو البقاء أن يكون حالاً من الضمير المستتر فِي {مؤمنين} [البقرة: 8] ، ولعل النفي متوجه للمقارنة لا لنفس الحال كما فِي ما جاءني زيد، وقد طلع الفجر {وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33] على أنه قد تجعل الحال ونحوها فِي مثل ذلك قيداً للنفي لا للمنفي كما قرروه فِي لم أبالغ فِي اختصاره تقريباً، وجعل الجملة صفة للمؤمنين ممنوع لمكان النفي والقيد وليست حال الصفة كصفة الحال فلا عجب فِي تجويز إحداهما ومنع الأخرى كما توهمه أبو حيان فِي"بحره"، نعم التعجب من كون الجملة بياناً للتعجب من كونهم من الناس كما لا يخفى.
ثم إن الغرض من مخادعة هؤلاء لمن خادعوه كالغرض من نفاقهم طبق النعل بالنعل فقد قصدوا تعظيمهم عند المؤمنين والتطلع على أسرارهم ليفشوها ورفع القتل عنهم أو ضرب الجزية عليهم والفوز بسهم من الغنائم ونحو ذلك وثمرة مخادعة من خادعوه إياهم إن كانت حكم إلهية ومصالح دينية ربما يؤدي تركها إلى مفاسد لا تحصى ومحاذير لا تستقصى. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 1 صـ 145 - 147}
جملة: {يخادعون} بدل اشتمال من جملة: {يقول آمنا بالله} [البقرة: 8] وما معها لأن قولهم ذلك يشتمل على المخادعة.
والخداع مصدر خادع الدال على معنى مفاعلة الخدع، والخدع هو فعل أو قول معه ما يوهم أن فاعله يريد بمدلوله نفع غيره وهو إنما يريد خلاف ذلك ويتكلف ترويجه على غيره ليغيره عن حالة هو فيها أو يصرفه عن أمر يوشك أن يفعله، تقول العرب: خدع الضب إذا أوهم حارشه أنه يحاول الخروج من الجهة التي أدخل فيها الحارش يده حتى لا يرقبه الحارش لعلمه أنه آخذه لا محالة ثم يخرج الضب من النافقاء.