(فصل: في ذكر إصلاح السرائر للزوم تقوى الله)
قال ابن حبان البستي:
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ زُهَيْرٍ بِتُسْتَرَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ حدثنا مؤمل ابن إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ زِيَادِ بْنِ عَلاقَةَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَرِهَ اللَّهُ مِنْكَ شَيْئًا فَلَا تَفْعَلْهُ إِذَا خَلَوْتَ
قال أَبُو حاتم الواجب على العاقل الحازم أن يعلم أن للعقل شعبا من المأمورات والمزجورات لا بد له من معرفتها واستعمالها في أوقاتها لمباينة العام وأوباش الناس بها.
وإني ذاكر في هذا الكتاب إن اللَّه قضى ذلك وشاءه خمسين شعبة من شعب العقل من المأمورات والمزجورات ليكون الكتاب مشتملا على خمسين بابا بناء كل باب منها على سنة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسلم ثم نتكلم في عقيب كل سنة منها بحسب مَا يمن اللَّه به من التوفيق لذلك إن شاء اللَّه.
فأول شعب العقل هو لزوم تقوى اللَّه وإصلاح السريرة لأن من صلح جوانيه أصلح اللَّه برانيه ومن فسد جوانيه أفسد اللَّه برانيه.
ولقد أحسن الذي يقول:
إذا مَا خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن اللَّه يغفل ساعة ... ولا أن مَا يخفى عَلَيْهِ يغيب
ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب ... وأن غدا للناظرين قريب
أخبرنا عَبْد اللَّه بْن محمود بْن سليمان السعدي حَدَّثَنَا شعبة بْن هبيرة حَدَّثَنَا جعفر بْن سليمان عَن مالك بْن دينار قَالَ اتخذ طاعة اللَّه تجارة تأتك الأرباح من غير بضاعة.
قال أَبُو حاتم قطب الطاعات للمرء في الدنيا هو إصلاح السرائر وترك إفساد الضمائر
والواجب على العاقل الاهتمام بإصلاح سريرته والقيام بحراسة قلبه عند إقباله وإدباره وحركته وسكونه لأن تكدر الأوقات وتنغص اللذات لا يكون إلا عند فساده
ولو لم يكن لإصلاح السرائر سبب يؤدي العاقل إلى استعماله إلا إظهار اللَّه عَلَيْهِ كيفية سريرته خيرا كان أو شرا لكان الواجب عَلَيْهِ قلة الإغضاء عَن تعاهدها
أنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش:
يلبس اللَّه في العلانية العبد ... الذي كان يختفي في السريره
حسنا كان أو قبيحا سيبدى ... كل مَا كان ثم من كل سيره
فاستح اللَّه أن ترائى للناس ... فإن الرياء بئس الذخيره