وقال الخطيب القزويني:
{ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) }
لم يقدم الظرف في قوله تعالى: {لَا رَيْبَ فِيهِ} لئلا يفيد ثبوت الريب في سائر كتب الله تعالى.
أغراض تنكير المسند:
وأما تنكيره: فإما لإرادة عدم الحصر والعهد؛ كقولك:"زيد كاتب، وعمرو شاعر"، وإما للتنبيه على ارتفاع شأنه أو انحطاطه على ما مر في المسند إليه؛ كقوله تعالى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [سورة البقرة: 2] أي: هدى لا يُكْتَنَه كُنْهُه.
(فائدة)
قوله تعالى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [سورة البقرة: 2] أي: هدى للضالين الصائرين إلى الهدى بعد الضلال.
وحسّنه التوصل إلى تسمية الشيء باسم ما يئول إليه وإلى تصدير السورة بذكر أولياء الله تعالى، وقوله: {أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ} [سورة يونس: 18] أي: بما لا ثبوت له ولا علم لله متعلق بثبوته؛ نفيا للملزوم بنفي اللازم. وكذلك قوله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [سورة غافر: 18] أي: لا شفاعة ولا طاعة، على أسلوب قوله"من البسيط":
على لاحِب لا يُهتدى بمناره
أي: لا منار، ولا اهتداء، وقوله"من السريع":
ولا ترى الضب بها ينجَحِر ...
أي: لا ضب، ولا انجحار.
{أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) }
أفاد اسم الإشارة زيادة الدلالة على المقصود من اختصاص المذكورين قبله باستحقاق الهدى من ربهم والفلاح.
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6) }
الجامع بين الجملتين, وأقسامه:
والجامع بين الجملتين يجب أن يكون باعتبار المسنَد إليه في هذه، والمسنَد إليه في هذه، وباعتبار المسند في هذه، والمسند في هذه جميعا كقولك:"يشعر زيد ويكتب، ويعطي ويمنع"، وقولك:"زيد شاعر"، و"عمرو كاتب"، و"زيد طويل"، و"عمرو قصير"إذا كان بينهما مناسبة؛ كأن يكونا أخوين أو نظيرين بخلاف قولنا:"زيد شاعر، وعمرو كاتب"إذا لم يكن بينهما مناسبة، وقولنا:"زيد شاعر، وعمرو طويل"كان بينهما مناسبة أو لا، وعليه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [سورة البقرة: 6] قُطع عما قبله؛ لأنه كلام في شأن الذين كفروا، وما قبله كلام في شأن القرآن.