3 -قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} .
قال الزجاج: موضع {الَّذِين} جر، تبعا {لِلْمُتَّقِينَ} ، ويجوز أن يكون موضعه رفعا على المدح، كأنه لما قيل: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} ، قيل: من هم؟ فقيك: هم {الَّذِينَ} ، ويجوز أن يكون موضعه نصبا على المدح، كأنه قيل: أذكر الذين.
وقوله تعالى: {يُؤمِنوُنَ} قال الأزهري: اتفق العلماء أن (الإيمان) معناه: التصديق، كقوله: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [يوسف: 17] . أي: بمصدق.
ومعنى التصديق: هو اعتقاد السامع صدق المخبر فيما يخبر، وأصله في اللغة: الطمأنينة إلى الشيء، من قولهم: أمن يأمن أمنا، إذا اطمأن وزال الخوف عنه.
وآمنت فلانا، إذا جعلته يطمئن وتسكن نفسه. وآمن بالله ورسوله إذا صدقهما واثقا بذلك مطمئنا إليه.
قال الأزهري: وإنما قلت: إن المؤمن معناه: المصدق، لأن الإيمان مآخوذ من الأمانة، والله يتولى علم السرائر ونية العقد، وجعل تصديقه أمانة ائتمن كل من أسلم على تلك الأمانة، فمن صدق بقلبه فقد أدى الأمانة، ومن كان قلبه على خلاف ما يظهره بلسانه فقد خان، والله حسيبه.
وإنما قيل للمصدق: مؤمن، وقد آمن؛ لأنه دخل في أداء الأمانة التي ائتمنه الله عليها.
وأنشد ابن الأنباري على أن (آمن) معناه: صدّق قول الشاعر:
وَمِنْ قَبْلُ آمنَّا وَقَدْ كَانَ قَوْمُنَا ... يُصلُون للأوْثَانِ قَبْلُ مُحَمَّدَا
معناه: من قبل آمنا محمدا، [أي صدقنا محمدا] فمحمدا منصوب بمعنى التصديق.
قال أبو علي الفارسي: ويجوز من حيث قياس اللغة، أن يكون (آمن) [صار ذا أمن] ، مثل: أجدب، وأعاه، أي: صار ذا عاهة في ماله، فكذلك (آمن) صار ذا (أمن) في نفسه وماله بإظهار الشهادتين، كقولهم: أسلم، أي: صار ذا سلم، وخرج عن أن يكون حربا مستحل المال والدم.
والقول في معنى الإيمان: ما قاله الأزهري.
على أن أبا القاسم الزجاجي شرح معنى الإيمان بما هو أظهر مما ذكره الأزهري، وهو أنه قال: معنى التصديق في الإيمان لا يعرف من طريق اللغة إلا بالاعتبار والنظر، لأن حقيقته ليست للتصديق، ألا ترى أنك إذا صدقت إنسانا فيما يخبرك به، لا تقول: آمنت به، لكنك إذا نظرت في موضوع هذه الكلمة وصرّفته حق التصريف، ظهر لك من باطنها معنى يرجع إلى التصديق.