6 - {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} وجحدوا، وأنكروا بآيات الله، وكذبوا برسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم وأصرّوا، وداموا على ذلك. {سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} أي: مستو عندهم في عدم الإفادة، إنذارك وتخويفك يا محمد إياهم من عذاب الله على كفرهم، وعدم إنذارك إيّاهم. فهم {لا يُؤْمِنُونَ} أي: لا يصدّقون بما جئتهم به من التوحيد، فلا تطمع في إيمانهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات؛ لأنّه قد سبق في علمنا عدم إيمانهم بك. وفي هذا تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم على تكذيب قومه له.
لمّا ذكر سبحانه خاصّة عباده، وخالصة أوليائه بصفاتهم التي أهّلتهم للهدى والفلاح، أعقبهم بأضدادهم العتاة المردة الذين لا ينفع فيهم الهدى، ولا يغني عنهم الآيات والنذر. وتعريف الموصول: إمّا للعهد، والمراد به: ناس بأعيانهم، كأبي لهب، وأبي جهل، والوليد بن المغيرة، وأحبار اليهود، أو للجنس متناولا كلّ من صمّم على كفره تصميما لا يرعوي بعده وغيرهم، فخصّ منهم غير المصرّين بما أسند إليه.
والكفر لغة: الستر والتغطية، ومنه سمي الليل كافرا، لأنّه يستر الأشياء بظلمته. قال الشاعر:
في ليلة كفر النجوم غمامها
أي: سترها. وشرعا: إنكار ما علم بالضرورة مجيء الرسول - صلى الله عليه وسلم - به.
واعلم: أنّ الكفر على أربعة أضرب:
كفر إنكار: وهو أن لا يعرف الله سبحانه أصلا، ككفر فرعون، حيث قال: {ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي} .
وكفر جحود: وهو أن يعرف الله بقلبه، ولا يقرّ بلسانه، ككفر إبليس اللعين.
وكفر عناد: وهو أن يعرف الله بقلبه، ويقرّ بلسانه، ولا يدين به، ككفر أمية ابن أبي الصلت، وأبي طالب، حيث قال في شعر له:
ولقد علمت بأنّ دين محمد ... من خير أديان البريّة دينا
لولا الملامة أو حذار مسبّة ... لو جدتّني سمحا بذاك مبينا