قال - رحمه الله:
{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً} جملة مقررة لجملة قصة المنافقين المسرودة إلى هنا فلذا لم تعطف على ما قبلها، ولما كان ذلك جارياً على ما فيه من استعارات وتجوزات مجرى الصفات الكاشفة عن حقيقة المنافقين وبيان أحوالهم عقبه ببيان تصوير تلك الحقيقة وإبرازها فِي صورة المشاهد بضرب المثل تتميماً للبيان، فلضرب المثل شأن لا يخفى ونور لا يطفى يرفع الأستار عن وجوه الحقائق ويميط اللثام عن محيا الدقائق ويبرز المتخيل فِي معرض اليقين ويجعل الغائب كأنه شاهد، وربما تكون المعاني التي يراد تفهيمها معقولة صرفة، فالوهم ينازع العقل فِي إدراكها حتى يحجبها عن اللحوق بما فِي العقل فبضرب الأمثال تبرز فِي معرض المحسوس فيساعد الوهم العقل فِي إدراكها، وهناك تنجلي غياهب الأوهام ويرتفع شغب الخصام {وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 1 2] وقيل: الأشبه أن تجعل موضحة لقوله تعالى: {أُولَئِكَ الذين اشتروا} [البقرة: 6 1] الخ ولا بعد فيه؛ والحمل على الاستئناف بعيد لا سيما والأمثال تضرب للكشف والبيان، والمثل بفتحتين كالمثل بكسر فسكون والمثيل فِي الأصل النظر والشبيه، والتفرقة لا أرتضيها، وكأنه مأخوذ من المثول وهو الانتصاب ومنه الحديث:"من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار"ثم أطلق على الكلام البليغ الشائع الحسن المشتمل إما على تشبيه بلا شبيه، أو استعارة رائقة تمثيلية وغيرها، أو حكمة وموعظة نافعة، أو كناية بديعة، أو نظم من جوامع الكلم الموجز، ولا يشترط فيه أن يكون استعارة مركبة خلافاً لمن وهم، بل لا يشترط أن يكون مجازاً، وهذه أمثال العرب أفردت بالتآليف وكثرت فيها التصانيف وفيها الكثير مستعملاً فِي معناه الحقيقي ولكونه فريداً فِي بابه، وقد قصد حكايته لم يجوزوا تغييره لفوات المقصود وتفسيره بالقول السائر الممثل مضربه بمورده يرد عليه