قَوْلُه تَعَالَى: (وَإذَا قيلَ لَهُمْ آمنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكنْ لَا يَعْلَمُونَ(13)
قوله: (من تمام النصح والإرشاد فإن كمال الإيمان بمجموع الأمرين) أي هذه الْجُمْلَة
مَعْطُوفة عَلَى جملة (وَإذَا قيلَ لَهُمْ لَا تُفْسدُوا) الآية. والجامع بَيْنَهُمَا كون كل منهما نصحًا
وإرشادًا فحِينَئِذٍ قائل هذا الْقَوْل هُوَ القائل الأول وقد عرفت أن القائل الْمُؤْمنُونَ أو الرَّسُول
عَلَيْهِ السَّلَامُ لا الله تَعَالَى وقد مَرَّ وجهه فحِينَئِذٍ يكون قولهم (أنؤمن كما آمن السفهاء)
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: فإن كمال الإيمان بمجموع أمرين الخ. نصوحهم بأمرين الأول هُوَ تقبيح ما هم فيه
لأدائه إلَى الفساد والفتنة المدلول عليه بـ لا تفسدوا في الْأَرْض والثاني [بنصبهم] طريق الهدى
والصَّلَاح المقصود بـ آمنوا فما كان جوابهم إلا أن سفهوهم وادعوا الصَّلَاح فيما كانوا عليه لجهلهم
المركب وتماديهم في الغي وإفراطهم في السفه واعتقادهم أن ما هم عليه هُوَ الحق وأن ما عليه
الْمُؤْمنُونَ هُوَ الباطل فكانوا عندهم سفهاء وفيه تسلية للعالم مما يلقى من الجهال أو لأنهم كانوا
ذوي يسار وشرف ورئاسة في قومهم والْمُؤْمنُونَ أكثرهم فقراء وبعضهم موالي كصهيب وبلال
وخباب وأمثالهم وأكثر أهل الدُّنْيَا عَلَى أن اليسار مكتسب بالعقل بناء عَلَى حكم العقل المحجوب
المشوب بالهوى فيلزمهم من توهمهم وحسبانهم الباطل أن الفقر للسفه فسفهوهم لجهلهم وسفههم
أو لأنهم أرادوا عبد اللَّه بن سلام وأشياعهم فسفهوهم تجلدا وغيظًا وتوقيا عن الشماتة بهم لما
كسر من ظهورهم وقت في أعضادهم من مفارقتهم دينهم ودخولهم في إسلام مع علمهم بأنهم
أعقل النَّاس والْحكْمَة في هذه المخالفة والمطاورة الواقعة بين الفريقين أن للعقل مراتب وأطوارًا
أدناها مرتبة العقل المشوب بالهوى المقيدى في قيد الوهم الذي له يختار الفاني عَلَى الباقي
والأخس عَلَى الأشرف وأعلاها مرتبة العقل المنور بالنور الإلهي المكحل بهداية الشرع الذي يختار
الأشرف الباقي عَلَى الأخس الفاني وكل من الطبقة العليا من مراتب العقل يعذر من هُوَ في الطبقة
السفلى وينصحه ويَهْديه بالْحكْمَة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن لاطلاع هذا عَلَى
حال ذاك واحتجاب ذاك عَلَى حال نفسه وكل من في الطبقة السفلى يسفه من فوقه ويجننه ويحبسه
على الضلال والباطل لعدم اطلاعه عَلَى حاله ومطالبه ولذاته ومقاصده ويتعجب عن ترى ما هو
أبهى المطالب عنده من اللذات الدنيوية والمشتهيات الحسية وإعراضه عنها.