فائدة
قال ابن الجوزي:
قوله تعالى: {إِنما نحن مصلحون} فيه خمسة أقوال.
أحدها: أن معناه إنكار ماعرفوا به، وتقديره: ما فعلنا شيئاً يوجب الفساد.
والثاني: أن معناه: إنا نقصد الإصلاح بين المسلمين والكافرين، والقولان عن ابن عباس.
والثالث: أنهم أرادوا مصافاة الكفار صلاح، لا فساد، قاله مجاهد، وقتادة.
والرابع: أنهم أرادوا أن فعلنا هذا هو الصلاح، وتصديق محمد هو الفساد، قاله السّدي.
والخامس: أنهم ظنوا أن مصافاة الكفار صلاح فِي الدنيا لا فِي الدين، لأنهم اعتقدوا أن الدولة إن كانت للنبي صلى الله عليه وسلم فقد أمنوه بمبايعته وإن كانت للكفار فقد أمنوهم بمصافاتهم، ذكره شيخنا. انتهى انتهى. {زاد المسير حـ 1 صـ 32}
والذي نختاره أنه لا يتعين شيء من هذه الأقوال، بل يحمل النهي على كل فرد من أنواع الإفساد، وذلك أنهم لما ادعوا الإيمان وأكذبهم الله فِي ذلك وأعلم بأن إيمانهم مخادعة، كانوا يكونون بين حالين: إحداهما: أن يكونوا مع عدم إيمانهم موادعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، والحالة الأخرى أن يكونوا مع عدم إيمانهم يسعون بالإفساد بالأرض لتفرق كلمة الإسلام وشتات نظام الملة، فنهوا عن ذلك وكأنهم قيل لهم: إن كنتم قد قنع منكم بالإقرار بالإيمان، وإن لم تؤمن قلوبكم فإياكم والإفساد فِي الأرض، فلم يجيبوا بالامتناع من الإفساد، بل أثبتوا لأنفسهم أنهم مصلحون وأنهم ليسوا محلاً للإفساد، فلا يتوجه النهي عن الإفساد نحوهم لاتصافهم بضده وهو الإصلاح.
كل ذلك بهت منهم وكذب صرف على عادتهم فِي الكذب وقولهم بأفواههم ما ليس فِي قلوبهم. انتهى انتهى. {البحر المحيط حـ 1 صـ 198}