والمراد بالعلم هنا العقل التام وهو رجحان الرأي المقابل عندهم بالجهل على نحو قوله تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: 9] وقد جعلت هاته الحال محط النهي والنفي تمليحاً فِي الكلام للجمع بين التوبيخ وإثارة الهمة فإنه أثبت لهم علماً ورجاحة الرأي ليثير همتهم ويلفت بصائرهم إلى دلائل الوحدانية ونهاهم عن اتخاذ الآلهة أو نفي ذلك مع تلبسهم به وجعله لا يجتمع مع العلم توبيخاً لهم على ما أهملوا من مواهب عقولهم وأضاعوا من سلامة مداركهم.
وهذا منزع تهذيبي عظيم، أن يعمد المربي فيجمع لمن يربيه بين ما يدل على بقية كمال فيه حتى لا يقتل همته باليأس من كماله فإنه إذا ساءت ظنونه فِي نفسه خارت عزيمته وذهبت مواهبه، ويأتي بما يدل على نقائص فيه ليطلب الكمال فلا يستريح من الكد فِي طلب العلا والكمال.
وقد أومأ قوله: {وأنتم تعلمون} إلى أنهم يعلمون أن الله لا ند له ولكنهم تعاموا وتناسوا فقالوا:"إلا شريكاً هو لك". انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 328 - 330}
[فائدة]
قال ابن الجوزي:
قوله تعالى: {وأنتم تعلمون} .
فيه ستة أقوال.
أحدهما: وأنتم تعلمون أنه خلق السماء، وأنزل الماء، وفعل ما شرحه فِي هذه الآيات، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس وقتادة ومقاتل.
الثاني: وأنتم تعلمون أنه ليس ذلك فِي كتابكم التوراة والإنجيل، روي عن ابن عباس أيضاً، وهو يخرج على قول من قال: الخطاب لأهل الكتاب.
والثالث: وأنتم تعلمون أنه لا ند له، قاله مجاهد.
والرابع: أن العلم هاهنا بمعنى العقل، قاله ابن قتبية.
والخامس: وأنتم تعلمون أنه لا يقدر على فعل ما ذكره أحد سواه.
ذكره شيخنا علي بن عبيد الله.
والسادس: وأنتم تعلمون أنها حجارة، سمعته من الشيخ أبي محمد بن الخشاب. انتهى انتهى. {زاد المسير حـ 1 صـ 49}