قال - رحمه الله:
(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
لَمَّا بَيَّنَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ مَا أَعَدَّهُ لِلْكَافِرِينَ الَّذِينَ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ فَجَحَدُوا بِهَا، أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ نَصِيبَ مُقَابِلِ هَؤُلَاءِ، وَهُمُ الَّذِينَ ظَهَرَ لَهُمُ الدَّلِيلُ فَآمَنُوا، وَلَاحَ لَهُمْ نُورُ الْهِدَايَةِ فَاهْتَدَوْا، فَالْكَلَامُ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. وَلِذَلِكَ عَطَفَ الْجُمْلَةَ عَلَى مَا قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهَا مُتَمِّمَةٌ لِفَائِدَتِهَا، إِذْ لَا بُدَّ بَعْدَ بَيَانِ جَزَاءِ الْكَافِرِينَ، مِنْ بَيَانِ جَزَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْإِرْشَادُ تَرْهِيبٌ وَتَرْغِيبٌ، وَالْخِطَابُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً، وَأَنْ يَكُونَ عَامًّا لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ الْأَمْرَ مِنْ أَهْلِهِ، وَقَالُوا: إِنَّ الْأَخِيرَ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ، وَالْمَفْهُومُ عِنْدَهُمْ مِنْ أَمْثَالِ هَذَا الْخِطَابِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (نَبِّئْ عِبَادِي) (15: 49) وَقَوْلِهِ: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا) (36: 13) فَهُوَ فِي عُمُومِهِ جَارٍ مَجْرَى الْأَمْثَالِ، وَالْمُخَاطَبُ الْأَوَّلُ بِهِ هُوَ الرَّسُولُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.