قال - رحمه الله:
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)
الْكَلَامُ مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ وَمُرْتَبِطٌ بِهِ ارْتِبَاطًا مُحْكَمًا، وَالْخِطَابُ لِلْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَضِلُّونَ بِالْمَثَلِ؛ فَإِنَّهُ وَصَفَهُمْ أَوَّلًا بِنَقْضِ الْعَهْدِ الْإِلَهِيِّ الْمُوَثَّقِ، وَقَطْعِ مَا أَمَرَ بِهِ سُبْحَانَهُ أَنْ يُوصَلَ، سَوَاءٌ كَانَ الْأَمْرُ أَمْرَ تَكْوِينٍ وَهُوَ السُّنَنُ الْكَوْنِيَّةُ، أَوْ أَمْرَ تَشْرِيعٍ وَهُوَ الدِّيَانَةُ السَّمَاوِيَّةُ، ثُمَّ بَعْدِ هَذَا الْبَيَانِ جَاءَ بِهَذَا الِاسْتِفْهَامِ التَّعَجُّبِيِّ عَنْ صِفَةِ كُفْرِهِمْ مُقْتَرِنًا بِالْبُرْهَانِ النَّاصِعِ عَلَى أَنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ وَلَا شُبْهَةَ تُسَوِّغُ الْإِقَامَةَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ) أَيْ بِأَيِّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْكُفْرِ بِاللهِ - تَعَالَى - تَأْخُذُونَ، وَعَلَى أَيَّةِ شُبْهَةٍ فِيهِ تَعْتَمِدُونَ، وَحَالُكُمْ فِي مَوْتَتَيْكُمْ وَحَيَاتَيْكُمْ تَأْبَى عَلَيْكُمْ ذَلِكَ وَلَا تَدَعُ لَكُمْ عُذْرًا فِيهِ؟ وَبَيَّنَ هَذِهِ الْحَالَ بِقَوْلِهِ: (وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَبْلَ هَذِهِ النَّشْأَةِ الْأُولَى مِنْ حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا أَمْوَاتًا مُنْبَثَّةٌ أَجَزَاؤُكُمْ فِي الْأَرْضِ، بَعْضُهَا فِي طَبَقَتِهَا الْجَامِدَةِ وَبَعْضُهَا فِي طَبَقَتِهَا السَّائِلَةِ وَبَعْضُهَا فِي طَبَقَتِهَا الْغَازِيَّةِ (الْهَوَائِيَّةِ) لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَجْزَاءِ سَائِرِ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ، فَخَلَقَكُمْ أَطْوَارًا مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ فَكُنْتُمْ بِالطَّوْرِ الْأَخِيرِ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَفَضَّلَكُمْ عَلَى غَيْرِكُمْ بِمَا وَهَبَكُمْ مِنَ الْعَقْلِ وَالْإِدْرَاكِ، وَمَا سَخَّرَ لَكُمْ مِنَ الْكَائِنَاتِ (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ)