34 -قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} الآية. (إذ) في موضع نصب نسقاً على (إذ) التي قبلها.
وقوله: {قُلْنَا} [هو من خطاب الأكابر والعظماء، يقول الواحد منهم: فعلنا وقلنا، لعلمه بأن أتباعه يفعلون] كفعله، ويجرون على مثل أمره، فأخبر الله تعالى عن نفسه على الجمع، لأنه ملك الملوك، وكل من في السماوات والأرض له خلقاً وملكاً. وعلى هذا خوطب في الجواب في قوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} [المؤمنون: 99] معناه: يا رب ارجعني، فلما أخبر جل اسمه عن نفسه[بالجمع خوطب بمثل ذلك.
وقوله: {لِلْمَلَائِكَةِ} اختلفوا في]الملائكة الذين أمروا بالسجود لآدم من هم؟ فقال بعضهم: هم الذين كانوا مع إبليس في الأرض.
وقال بعضهم: هم جميع الملائكة حتى جبريل وميكائيل، لأنه قال: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30] ، وفي هذا تأكيد للعموم، وتحقيق له.
وقوله: {اسْجُدُوا لِآدَمَ} أصل السجود في اللغة الخضوع والتذلل، وكل من ذل وخضع لما أمر به فقد سجد، ومنه قوله تعالى: {يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ} [النحل: 48] أي: خُضَّعاً مسخرة لما سخرت له، وسجود كل موات في القرآن، طاعته لما سخر له.
وقال أبو عبيدة: عين ساجدة إذا كانت فاترة، والسُّجَّد من النساء الفاترات الأعين، ونخلة ساجدة إذا مالت لكثرة حملها. ومنه قول الشاعر:
تَرى الأُكْمَ فِيِه سُجَّداً لِلْحَوَافِرِ
أي ذليلة خاضعة.
قال الأعشى:
مَنْ يَرَ هَوْذَةَ يَسْجُدْ غَيرَ مُتَّئِبٍ ... إِذَا تَعَمَّمَ فَوْقَ الرَّأْسِ أَوْ وَضَعَا
أي يخضع له ويتذلل. وأنشد ابن الأنباري لابن مقبل:
ثُمَّ نَوَّمَنْ وَنِمْنَا سَاعَةً ... خُشَّعَ الطَّرْفِ سُجُوداً لِلْخُطَم
يعني الإبل، فسجودها خضوعها. ويقال - أيضا: (أسجد) بهذا المعنى: أي طأطأ رأسه وانحنى.
هذا أصل السجود في اللغة، ثم قيل لكل من وضع جبهته على الأرض: سجد، لأنه غاية الخضوع.
وإذا ابتدأت بقوله: {اسْجُدُوا} ضممت الألف، والألف لا حظ لها من الإعراب، وإنما أدخلت ليتوصل بها إلى النطق بالساكن، فكان حظها الكسر، لأن بعدها ساكنا، ولكنها ضمت لاستثقال الضمة بعد الكسرة، وليس في كلامهم مثل (فِعُل) ، ولا مثل (إفْعُل) .