{فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ... الآية}
جاء بالفاء إيذاناً بمبادرة آدم بطلب العفو.
والتلقي استقبال إكرام ومسرة قال تعالى: {وتتلقاهم الملائكة} [الأنبياء: 103] ووجه دلالته على ذلك أنه صيغة تفعل من لقيه وهي دالة على التكلف لحصوله وتطلبه وإنما يتكلف ويتطلب لقاء الأمر المحبوب بخلاف لاقى فلا يدل على كون الملاقى محبوباً بل تقول لاقى العدو.
واللقاء الحضور نحو الغير بقصد أو بغير قصد وفي خير أو شر، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً} [الأنفال: 45] الآية فالتعبير بتلقى هنا مؤذن بأن الكلمات التي أخذها آدم كلمات نافعة له فعلم أنها ليست كلمات زجر وتوبيخ بل كلمات عفو ومغفرة ورضى وهي إما كلمات لقنها آدم من قبل الله تعالى ليقولها طالباً المغفرة وإما كلمات إعلام من الله إياه بأنه عفا عنه بعد أن أهبطه من الجنة اكتفاء بذلك فِي العقوبة، ومما يدل على أنها كلمات عفو عطف {فتاب عليه} بالفاء إذ لو كانت كلمات توبيخ لما صح التسبب.
وتلقي آدم للكلمات إما بطريق الوحي أو الإلهام.
ولهم فِي تعيين هذه الكلمات روايات أعرضنا عنها لقلة جدوى الاشتغال بذلك، فقد قال آدم الكلمات فتيب عليه فلنهتم نحن بما ينفعنا من الكلام الصالح والفعل الصالح.
ولم تذكر توبة حواء هنا مع أنها مذكورة فِي مواضع أخرى نحو قوله: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا} [الأعراف: 23] لظهور أنها تتبعه فِي سائر أحواله وأنه أرشدها إلى ما أرشد إليه، وإنما لم يذكر فِي هذه الآية لأن الكلام جرى على الابتداء بتكريم آدم وجعله فِي الأرض خليفة فكان الاعتناء بذكر تقلباته هو الغرض المقصود.