قال - رحمه الله:
{أتأمرون الناس بالبرّ} الهمزة: للاستفهام وضعاً، وشابها هنا التوبيخ والتقريع لأن المعنى: الإنكار، وعليهم توبيخهم على أن يأمر الشخص بخير، ويترك نفسه ونظيره فِي النهي، قول أبي الأسود:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
وقول الآخر:
وابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإن انتهت عنه فأنت حكيم
فيقبح فِي العقول أن يأمر الإنسان بخير وهو لا يأتيه، وأن ينهى عن سوء وهو يفعله.
وفي تفسير البر هنا أقوال: الثبات على دين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم لا يتبعونه، أو اتباع التوراة وهم يخالفونها فِي جحدهم صفته.
وروي عن قتادة وابن جريج والسّدي: أو على الصدقة ويبخلون، أو على الصدق وهم لا يصدّقون، أو خص أصحابهم على الصلاة والزكاة ولا يأتونهما.
وقال السلمي: أتطالبون الناس بحقائق المعاني وأنتم قلوبكم خالية عن ظواهر رسومها؟ وقال القشيري: أتحرّضون الناس على البدار وترضون بالتخلف؟ وقال: أتدعون الخلق إلينا وتقعدون عنا؟ وألفاظاً من هذا المعنى.
وأتى بالمضارع فِي: أتأمرون، وإن كان قد وقع ذلك منهم لأنه يفهم منه فِي الاستعمال فِي كثير من المواضع: الديمومة وكثرة التلبس بالفعل، نحو قولهم: زيد يعطي ويمنع، وعبر عن ترك فعلهم بالنسيان مبالغة فِي الترك، فكأنه لا يجري لهم على بال، وعلق النسيان بالأنفس توكيداً للمبالغة فِي الغفلة المفرطة.
{وتنسون} : معطوف على تأمرون، والمنعي عليهم جمعهم بين هاتين الحالتين من أمر الناس بالبر الذي فِي فعله النجاة الأبدية، وترك فعله حتى صار نسياً منسياً بالنسبة إليهم.