فصل
قال الفخر:
استدلت المعتزلة بذلك على أن رؤية الله ممتنعة، قال القاضي عبد الجبار: إنها لو كانت جائزة لكانوا قد التمسوا أمراً مجوزاً فوجب أن لا تنزل بهم العقوبة كما لم تنزل بهم العقوبة لما التمسوا النقل من قوت إلى قوت وطعام إلى طعام فِي قوله تعالى: {لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض} [البقرة: 61] ، وقال أبو الحسين فِي كتاب التصفح: إن الله تعالى ما ذكر سؤال الرؤية إلا استعظمه، وذلك فِي آيات.
أحدها: هذه الآية فإن الرؤية لو كانت جائزة لكان قولهم: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) كقول الأمم لأنبيائهم: لن نؤمن إلا بإحياء ميت فِي أنه لا يستعظم ولا تأخذهم الصاعقة.
وثانيها: قوله تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كتابا مّنَ السماء فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك فَقَالُواْ أَرِنَا الله جَهْرَةً فأخذتهم الصاعقة بظلمهم} [النساء: 153] ، فسمى ذلك ظلماً وعاقبهم فِي الحال، فلو كانت الرؤية جائزة لجرى سؤالهم لها مجرى من يسأل معجزة زائدة.
فإن قلت أليس إنه سبحانه وتعالى قد أجرى إنزال الكتاب من السماء مجرى الرؤية فِي كون كل واحد منهما عتوا، فكما أن إنزال الكتاب غير ممتنع فِي نفسه فكذا سؤال الرؤية.
قلت: الظاهر يقتضي كون كل واحد منهما ممتنعاً ترك العمل به فِي إنزال الكتاب فيبقى معمولاً به فِي الرؤية.
وثالثها: قوله تعالى: {وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملئكة أَوْ نرى رَبَّنَا لَقَدِ استكبروا فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً} [الفرقان: 21] فالرؤية لو كانت جائزة وهي عند مجزيها من أعظم المنافع لم يكن التماسها عتواً لأن من سأل الله تعالى نعمة فِي الدين أو الدنيا لم يكن عاتياً وجرى ذلك مجرى ما يقال: لن نؤمن لك حتى يحيي الله بدعائك هذا الميت.