ويناسب دعوى الربوبية والاعتلاء انحطاط المدعي وتغييبه فِي قعر الماء، ولك أن تقول لما افتخر فرعون بالماء كما يشير إليه قوله تعالى حكاية عنه: {أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهار تَجْرِى مِن تَحْتِى} [الزخرف: 1 5] جعل الله تعالى هلاكه بالماء، وللتابع حظ وافر من المتبوع وكان ذلك الغرق والإنجاء، والإغراق يوم عاشوراء والكلام فيه مشهور. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 1 صـ 255 - 256}
{وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ ... الآية}
هذا زيادة فِي التفصيل بذكر نعمة أخرى عظيمة خارقة للعادة، بها كان تمام الإنجاء من آل فرعون، وفيها بيان مقدار إكرام الله تعالى لهم ومعجزة لموسى عليه السلام وتعدية فعل {فرقنا} إلى ضمير المخاطبين بواسطة الحرف جار على نحو تعدية فعل {نجيناكم} [البقرة: 49] إلى ضميرهم كما تقدم.
وفَرَق وفرَّق بالتخفيف والتشديد بمعنى واحد إذ التشديد يفيده تعدية ومعناه الفصل بين أجزاء شيء متصل الأجزاء، غير أن فرق يدل على شدة التفرقة وذلك إذا كانت الأجزاء المفرقة أشد اتصالاً، وقد قيل إن فرّق للأجسام وفرق للمعاني نقله القرافي عن بعض مشايخه وهو غير تام كما تقدم فِي المقدمة الأولى من مقدمات هذا التفسير بدليل هذه الآية، فالوجه أن فَرَّقَ بالتشديد لما فيه علاج ومحاولة وأن المخفف والمشدد كليهما حقيقة فِي فصل الأجسام وأما فِي فصل المعاني الملتبسة فمجاز.
وقد اتفقت القراءات المتواترة العشر على قراءة (فرقنا) بالتخفيف والتخفيف منظور فيه إلى عظيم قدرة الله تعالى فكان ذلك الفرق الشديد خفيفاً.
وتصغر فِي عين العظيم العظائم ...
وأل فِي (البحر) للعهد وهو البحر الذي عهدوه أعني بحر القلزم المسمى اليوم بالبحر الأحمر وسمته التوراة بحر سوف.