48 -قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي} الآية. لا تجزي معناه: لا تقضي ولا يغني، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة بن نِيَار: (ولا تجزي عن أحد بعدك) ، معناه:
ولا تقضي، ومنه أيضا ما روي (أن رجلا كان يداين للناس، وكان له كاتب ومتجاز، وكان يقول له: إذا رأيت الرجل معسرا فأنظره، فغفر الله له، فالمتجازي: المتقاضي.
ومنه الجزية، لأن معناها في كلام العرب: الخراج المجعول على الذمي، سمي جزية لأنها قضاء منه.
قال أهل العربية: وأصل هذا الحرف من الجزاء الذي هو المكافأة، ومقابلة الشيء بالشيء، فيجزي بمعنى: يكفى، لأنه يقابل فيه الشيء بمقداره.
ومعنى (لا تجزي نفس عن نفس) أي لا يقابل مكروهها بشيء يدرؤه عنها.
وموضع (لا تجزي) نصب، لأنه صفة ليوم. والعائد على اليوم محذوف من الآية، واختلف النحويون فيه، فقال الفراء: التأويل: (لا تجزي فيه نفس عن نفس) ثم حذفت الصفة، ومثله قوله: {وَأَنذِرْهُم يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ} [غافر: 18] والمعنى: ما للظالمين فيه من حميم، وكذلك قوله: {يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا} [الدخان: 41] أي: فيه، وهذا أيضا مذهب سيبويه.
وكان الكسائي لا يجيز إضمار الصفة، ويقول: إن المحذوف هاهنا (الهاء) وتقديره كأنك قلت: (واتقوا يوما لا تجزيه نفس عن نفس) فجعل اليوم مفعولا على السعة، ثم ألقيت الهاء، كما تقول: رأيت رجلاً أحبّ، تريد (أحبه) وينشد على هذا:
قَدْ صبَّحَتْ صَبحَهَا السَّلاَمُ ... بِكَبِدٍ خَاَلطَهَا السَّنَامُ
في ساعة يُحَبُّهَا الطَعَامُ
يعني يُحَبُّ فيها، فجعل الظرف مفعولا على السعة، وهذا أيضا مذهب الأخفش.