أما قوله تعالى: {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} فاعلم أن التناصر إنما يكون فِي الدنيا بالمخالطة والقرابة وقد أخبر الله تعالى أنه ليس يومئذ خلة ولا شفاعة وأنه لا أنساب بينهم، وإنما المرء يفر من أخيه وأمه وأبيه وقرابته، قال القفال: والنصر يراد به المعونة كقوله:"انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، ومنه معنى الإغاثة: تقول العرب: أرض منصورة أي ممطورة، والغيث ينصر البلاد إذا أنبتها فكأنه أغاث أهلها وقيل فِي قوله تعالى: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ الله} [الحج: 15] أي أن لن يرزقه كما يرزق الغيث البلاد، ويسمى الانتقام نصرة وانتصاراً، قال تعالى: {ونصرناه مِنَ القوم الذين كَذَّبُواْ بآياتنا} [الأنبياء: 77] قالوا معناه: فانتقمنا له، فقوله تعالى: {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} يحتمل هذه الوجوه فإنهم يوم القيامة لا يغاثون، ويحتمل أنهم إذا عذبوا لم يجدوا من ينتقم لهم من الله، وفي الجملة كأن النصر هو دفع الشدائد، فأخبر الله تعالى أنه لا دافع هناك من عذابه. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 51 - 52}
[فائدة]
قال القرطبي:
ومعنى {لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} : أي لا تؤاخذ نفس بذنب أخرى ولا تدفع عنها شيئاً؛ تقول: جَزَى عنّي هذا الأمر يَجْزِي؛ كما تقول: قَضَى عني.
واجتزأت بالشيء اجتزاء إذا اكتفيت به؛ قال الشاعر:
فإنّ الغدر فِي الأقوام عارٌ ... وأن الحرّ يَجزأ بالكُراع
أي يكتفي بها.
"وفي حديث عمر:"إذا أجريت الماء على الماء جَزَى عنك""يريد إذا صببت الماء على البول فِي الأرض فجرى عليه طهر المكان، ولا حاجة بك إلى غسل ذلك الموضع وتنشيف الماء بخرقة أو غيرها كما يفعل كثير من الناس.
وفي صحيح الحديث"عن أبي بُردة بن نِيار فِي الأُضْحِيّة:"لن تَجزِيَ عن أحد بعدك""أي لن تغني.