[لطيفة]
قال فِي ملاك التأويل:
قوله تعالى:"وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله"وفي سورة آل عمران:"ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة"فأخر فِي سورة آل عمران ما قدم ذكره فِي سورة البقرة فيسأل عن ذلك ووجهه والله أعلم أنهم لما سألوا فِي البقرة عن مأكلهم ما فيه خسة وما يستلزم الذلة والصغار والمهنة فِي التوصل إلى الانتفاع به وذلك ما طلبوه فِي قولهم:"فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها"عوضا مما لا تكلف فيه ولا مشقة من المن والسلوى الذي كان ينزل عليهم عند الحاجة بغير مؤنة ولهذا قيل لهم:"أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير"فلما سألوا ما يستلزم مهنة النفس ودناءة الحال لما أجرى به الله تعالى العادة من أن الذي سألوه لا يتوصل إليه الا بتكلف ومشقة فلما سألوا ما حاصله خسة وامتهان ناسب ذلك أن يناط به وينبئ عليه ذكر ضرب الذلة والمسكنة عليهم ثم أعقب ذلك ما باؤوا به من غضب الله الذي سبق به القدر عليهم ونعوذ بالله من غضبه.
ولما تقدم فِي آل عمران قوله تعالى:"لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون"ناسب هذا تقديم ما لا نصرة لهم معه ولا فلاح وهو ما باؤوا به من غضب الله عليهم فقال تعالى:"وباؤوا بغضب من الله"فجاء كل على ما يناسب ويلائم والله أعلم بما أراد. انتهى انتهى. {ملاك التأويل صـ 40 - 41}