واختلف فِي معنى {أماني} ، فقالت طائفة: هي هنا من تمني الرجل إذا ترجى، فمعناه أن منهم من لا يكتب ولا يقرأ وإنما يقول بظنه شيئاً سمعه، فيتمنى أنه من الكتاب، وقال آخرون: هي من تمنى إذا تلا، ومنه قوله تعالى {إلا إذا ألقى الشيطان فِي أمنيته} [الحج: 52] ومنه قول الشاعر [كعب بن مالك] : [الطويل]
تمنى كتاب الله أول ليله ... وآخرة لاقى حمام المقادِرِ
فمعنى الآية أنهم لا يعلمون الكتاب إلا سماع شيء يتلى لا علم لها بصحته، وقال الطبري: هي من تمنى الرجل إذا حدث بحديث مختلق كذب، وذكر أهل اللغة أن العرب تقول تمنى الرجل إذا كذب واختلق الحديث، ومنه قول عثمان رضي الله عنه:"ما تمنيت ولا تغنيت منذ أسلمت".
فمعنى الآية أن منهم أميين لا يعلمون الكتاب إلا أنهم يسمعون من الأحبار أشياء مختلقة يظنونها من الكتاب، وإن نافية بمعنى ما، والظن هنا على بابه فِي الميل إلى أحد الجائزين. انتهى انتهى. {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 169 - 170}
{وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب} جهلة لا يعرفون الكتابة فيطالعوا التوراة، ويتحققوا ما فيها. أو التوراة {إِلاَّ أَمَانِيَّ} استثناء منقطع. والأماني: جمع أمنية وهي فِي الأصل ما يقدره الإنسان فِي نفسه من منى إذا قدر، ولذلك تطلق، على الكذب وعلى ما يتمنى وما يقرأ والمعنى لكن يعتقدون أكاذيب أخذوها تقليداً من المحرفين أو مواعيد فارغة. سمعوها منهم من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً، وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة. وقيل إلا ما يقرأون قراءة عارية عن معرفة المعنى وتدبره من قوله:
تَمَنَّى كِتَابَ الله أَوَّلَ لَيْلِه ... تَمني دَاودَ الزبُورَ على رِسْلِ