فصل
قال الفخر:
أما قوله تعالى: {مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} ، فالمراد أنهم علموا بصحته وفساد ما خلقوه فكانوا معاندين مقدمين على ذلك بالعمد، فلأجل ذلك يجب أن يحمل الكلام على أنهم العلماء منهم وأنهم فعلوا ذلك لضرب من الأغراض على ما بينه الله تعالى من بعد فِي قوله تعالى: {واشتروا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} [آل عمران: 187] وقال تعالى: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ} [البقرة: 146] [الأنعام: 20] ويجب أن يكون فِي عددهم قلة لأن الجمع العظيم لا يجوز عليهم كتمان ما يعتقدون لأنا إن جوزنا ذلك لم يعلم المحق من المبطل وإن كثر العدد.
أما قوله تعالى: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فلقائل أن يقول: قوله تعالى: {عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} تكرار لا فائدة فيه: أجاب القفال عنه من وجهين، الأول: من بعد ما عقلوه مراد الله فأولوه تأويلاً فاسداً يعلمون أنه غير مراد الله تعالى.
الثاني: أنهم عقلوا مراد الله تعالى، وعلموا أن التأويل الفاسد يكسبهم الوزر والعقوبة من الله تعالى، ومتى تعمدوا التحريف مع العلم بما فيه من الوزر كانت قسوتهم أشد وجراءتهم أعظم، ولما كان المقصود من ذلك تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام وتصبيره على عنادهم فكلما كان عنادهم أعظم كان ذلك فِي التسلية أقوى. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 124}