[من روائع الأبحاث]
(فصل: في الرد على بعض الشبهات)
(الإتيان بجمع كثرة في موضع جمع القلة)
منشأ هذه الشبهة:
هو قوله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(80) .
أخذوا من هذه الآية كلمة"معدودة"وتوهموا أن القرآن أخطأ فيها؛ لأنها - عندهم - جمع كثرة، والمقام الذي استعملت فيه يتطلب جمع القلة، ثم علقوا قائلين:
"وكان يجب أن يجمعها جمع قلة، حيث إنهم أرادوا القلة، فيقول: أياماً معدودات".
هكذا عبروا عن جهلهم، وهم يحسبون - أو لا يحسبون - أنهم العلماء الأفذاذ الذين يعلمون ما لم يعلمه أحد - حتى الله - من شئون اللغة والبيان، وهم - بحق - لا يكادون يفقهون حديثاً.
الرد على الشبهة:
هذه الآية نزلت تحكى قولاً قاله اليهود، يكشف عن الغرور الذي ملأ أنفسهم، فقد زعموا أنهم إذا دخلوا النار، فإنها لا تمسهم إلا مساً خفيفاً، وأنهم لن يُخلدوا فيها، بل يقضون عدة أيام.
وهذا تطاول منهم، لأن شئون الآخرة لا يعلمها إلا الله.
لذلك كذَّبهم الله، وألزمهم الحُجة البالغة له عليهم وحصر مصدر هذا الذي ادعوه في أمرين:
الأول: أن يكون عندهم من الله عهد بما قالوا، والله لا يخلف عهده، وهم في الواقع لا عهد عندهم من الله يحدد فيه مدة مكثهم في النار، ودرجة العذاب الذي سيصيبهم فيها.
الثاني: أو هُمْ يفترون على الله عز وجل، وما داموا ليس عندهم عهد من الله، فهم - إذاً - كاذبون والذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون.
أما مسألة الكثرة والقلة، التي بنى عليها هؤلاء الكارهون لما أنزل الله على خاتم رسله صلى الله عليه وسلم، فلا اعتبار لها هنا، وهم وإن حفظوا شيئاً فقد غابت عنهم أشياء. ولذلك أوقعهم جهلهم فيما حاولوا أن يفروا منه؛ لأنهم قالوا إن معدودة، جمع كثرة، واستعمال جمع الكثرة - هنا - خطأ؟؛ لأن اليهود أرادوا جمع القلة - أي أنهم يمكثون في النار أياماً قليلة. فجاء تعبير القرآن غير وافٍ بالمعنى الذي كانوا يقصدونه، وكان الواجب على القرآن أن يقول: أياماً معدودات، بدلاً من (أياماً معدودة (هذا هو قولهم، وهو محض الخطأ لو كانوا يعلمون وذلك للاعتبارات الآتية: