وثالثها: وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق، ورابعها: الإقرار الذي هو الرضاء بالأمر والصبر عليه كأن يقال: فلان لا يقر على الضيم فيكون المعنى أنه تعالى يأمركم بذلك ورضيتم به فأقمتم عليه وشهدتم بوجوبه وصحته، فإن قيل: لم قال: {أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} والمعنى واحد، قلنا فيه ثلاثة أقوال: الأول: أقررتم يعني أسلافكم وأنتم تشهدون الآن يعني على إقرارهم، الثاني: أقررتم فِي وقت الميثاق الذي مضى وأنتم بعد ذلك تشهدون، الثالث: أنه للتأكيد. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 155 - 156}
فإن قيل: وهل يَسفِك أحد دمه ويُخرج نفسه من داره؟ قيل له: لما كانت ملّتهم واحدة وأمرهم واحد وكانوا فِي الأمم كالشخص الواحد جعل قتل بعضهم بعضاً وإخراج بعضهم بعضاً قتلاً لأنفسهم ونَفياً لها.
وقيل: المراد القصاص؛ أي لا يَقتل أحد فيُقتل قصاصاً، فكأنه سفك دمه.
وكذلك لا يزني ولا يرتدّ، فإن ذلك يبيح الدم.
ولا يُفْسِد فيُنْفَى، فيكون قد أخرج نفسه من دياره.
وهذا تأويل فيه بُعْدٌ وإن كان صحيح المعنى.
وإنما كان الأمر أن الله تعالى قد أخذ على بني إسرائيل فِي التوراة ميثاقاً ألاّ يقتل بعضهم بعضاً؛ ولا يَنفيه ولا يسترقّه، ولا يدعه يسرق؛ إلى غير ذلك من الطاعات.
قلت: وهذا كله محرّم علينا، وقد وقع ذلك كله بالفتن فينا؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون! وفي التنزيل: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} [الأنعام: 65] وسيأتي.
قال ابن خُوَيْزِ منداد: وقد يجوز أن يراد به الظاهر، لا يقتل الإنسان نفسه، ولا يخرج من داره سفهاً؛ كما تقتل الهند أنفسها.
أو يقتل الإنسان نفسه من جَهد وبلاء يصيبه، أو يَهيم فِي الصحراء ولا يأوي البيوت جهلاً فِي ديانته وسفهاً فِي حِلمه؛ فهو عموم فِي جميع ذلك.