[من روائع الأبحاث]
قال الحَلِيمي:
إن سأل سائل عن أصحاب الكبائر من أهل القبلة إذا وافوا القيامة بلا توبة قدموها، ماذا يكون من أمرهم؟
قيل له: - وبالله التوفيق - أمرهم الله تعالى، فإن عفا عنهم مبتدئاً وإن شاء شفع فيهم نبيهم، وإن شاء أمر بإدخالهم النار وكانوا معذبين بها مدة، ثم أمر بإخراجهم منها إلى الجنة إما بشفاعة ولا يخلد في النار إلا الكفار.
فإن سأل عن الدلائل على ما قلنا! أما الدليل على أن غير الكفار لا يخلد في النار فهو قول الله - عز وجل - {مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، فأخبر أن التخليد في النار إنما هو لمن أحاطت به خطيئاته، والمؤمن صاحب الكبيرة والكبائر لم تحط به خطياته، لأن رأس الخطايا هو الكفر، وهو غير موجود منهم، فصح أنه لا يخلد في النار.
فإن قيل: هذا معارض بأن الله تعالى قال بعقب هذه الآية: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، فوعد الجنة من جمع بين أصل الإيمان وفروعه وصاحب الكبيرة أو الكبائر تارك للصالحات فصح أن وعد الجنة ليس له.
فالجواب: إن التعاطي للكبائر إذا تاب عنها ووافى القيامة تائباً لا يخلو من أن يكون تاركاً للصالحات التي هي أضداد الكبائر، ثم لأنه شرب الخمر فقد ترك العمل بقول الله عز وجل.
وإذا زنى فقد ترك العمل بقول الله عز وجل: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} .
وإذا فر من الزحف فقد ترك العمل بقول الله عز وجل: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} ، وعلى هذا جميع الكبائر.
ثم إنه إذا تاب سقط العذاب عنه بالتوبة، وصارت الجنة داره، وإن لم تصر بالتوبة جامعاً بين أصل الإيمان وفروعها من الصالحات.
لأنه وإن تاب منها اليوم فلا يخلوان من كان تاركاً لها بالأمس وقع بهذا، جاز أن تكون داره.
فلا ينكر أن الذي يوافي القيامة بكبائر لم يتب منها مثله، فإن تقل ليسا سواء، لكن التائب يقيم التوبة مقام السيئات التي قدمها، والمصر ترك الطاعات ولم يقم مقامها شيئاً، قيل التائب غير مبدل من الطاعات التي تركها شيئاً، لأن التائب هو الذي يندم على ما جنى ولا يعود لمثله في المستقبل.