(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ(78)
قال الله - جلَّ جلالُه - يصف بعض بني إسرائيل:(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا
أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)الأمي: مقول من الأمة مشتق من معنى
الإمامة؛ أي: إن الأمي هو الذي يأتم بإمامه الذي يقلده، والأمي أيضًا: الذي لا يقرأ
ولا يكتب من قوم أميين.
قال الله - عز وجل: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ) أي: الذي لا يقرأ ولا يكتب، وعلى ذلك فإنه أتى بما يُقرأ ويُكتب، وقد يكون الأمي الذي يقرأ
ويكتب ولا يعلم ما يقرأه ولا [يفقهه] إنما هو يقلد غيره وإمامه، ويأتم في معقوله
ومعلومه بأسلافه، ويعتمد عليهم في ذلك.
سمى الله - عز وجل - من كان في قراءته وكتابه هكذا: أمّيًّا، فقال عز قوله:(وَمِنْهُمْ
أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ)لا يصرفون معاني الكتاب إلى أهوائهم وما يوافق
شهواتهم (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) أي: يخرصون، لم يلجؤوا في ذلك إلى
علم يقين، ولا استظهروه على ما يعتقدونه فيه بحجة ولا برهان.
كذلك قال الذين لا يعلمون لما قيل لهم: (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ
فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) .
"الأماني": جمع أمنية، هو ما يتمناه المرء ويوده، أصله: أنه محبوب للنفس
شهي، يأنس إليه من أجل ذلك، ويحادثه حتى يكون أملاً يؤمل وهوى يُهوى،
وأماني هؤلاء في كتابهم من نحو ما حكاه الله - عز وجل - عنهم قريبًا من هذا الخطاب من
قولهم: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) .
وقالوا: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) وكان
اعتقادهم أن الآخرة خالصة لهم من دون الناس، وشبهة هذا من مذاهبهم في
أعمالهم أنها مشكورة وذنوبهم مغفورة.