{حَسَدًا} علة لِوَدّ لا ليردونكم لأنهم يودون ارتدادهم مطلقاً لا ارتدادهم المعلل بالحسد، وجوزوا أن يكون مصدراً منصوباً على الحال أي حاسدين ولم يجمع لأنه مصدر، وفيه ضعف لأن جعل المصدر حالاً كما قال أبو حيان لا ينقاس.
وقيل: يجوز أن يكون منصوباً على المصدر والعامل فيه محذوف يدل عليه المعنى أي حسدوكم حسداً وهو كما ترى.
{مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} متعلق بمحذوف وقع صفة إما للحسد أي حسداً كائناً من أصل نفوسهم فكأنه ذاتي لها، وفيه إشارة إلى أن بلغ مبلغاً متناهياً، وهذا يؤكد أمر التنوين إذا جعل للتكثير أو التعظيم، وإما للوداد المفهوم من (وَدّ) أي وداداً كائناً من عند أنفسهم وتشهيهم لا من قبل التدبر والميل إلى الحق، وجعله ظرفاً لغواً معمولاً لِوَدّ أو (حسداً) كما نقل عن مكي يبعده أنهما لا يستعملان بكلمة (من) كما قاله ابن الشجري.
{مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحق} بالنعوت المذكورة فِي التوراة والمعجزات وهذا كالدليل على تخصيص الكثير بالأحبار لأن التبين بذلك إنما كان لهم لا للجهال، ولعل من قال: إن الودادة من عوامهم أيضاً لئلا يبطل دينهم الذي ورثوه وتبطل رياسة أحبارهم الذين اعتقدوهم واتخذوهم رؤساء، فالمراد من الكثير جميعهم من كفارهم ومنافقيهم ويكون ذكره لإخراج من آمن منهم سراً وعلانية يدعي أن التبين حصل للجميع أيضاً إلا أن أسبابه مختلفة متفاوتة وهذا هو الذي يغلب على الظن فإن من شاهد هاتيك المعجزات الباهرة والآيات الزاهرة يبعد منه كيفما كان عدم تبين الحق ومعرفة مطالع الصدق إلا أن الحظوظ النفسانية والشهوات الدنية والتسويلات الشيطانية حجبت من حجبت عن الإيمان وقيدت من قيدت فِي الخذلان. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 1 صـ 357}