102 -قوله تعالى {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} الآية، هذه الآية قد أشكل علم إعرابها ومعناها على كثيرٍ من الناس، حتى ترك أكثر أهل العلم والنحو الكلام فيها لصعوبتها. وتكلم آخرون فيها.
قال أبو إسحاق: أعلم الله عز وجل أنهم رفضوا كتابه واتبعوا السحر.
وقوله تعالى: {تَتْلُوا} أي: تقرأ. وقال ابن عباس: تتبع وتعمل به. وكذلك قال في قوله: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} [البقرة: 121] : يتبعونه حق اتباعه، فيعملون به حق عمله.
وقال أبو عُبَيدة: {مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} أي: ما تتكلم به. كقولك: فلان يتلو كتاب الله، أي: يقرؤه ويتكلم به. وقال عطاء: ما تُحدّث
وتَقُصّ. وهذه أقوال متقاربة.
قال الزجاج: وفيه إضمار، أراد: واتبعوا ما كانت تتلوا، وقيل: إنه لفظ الاستقبال والمراد به المضي، أي: تلت، كقول الشاعر:
فلقد يكون أخا دمٍ وذبائحِ
أي: فلقد كان. وكقوله: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} [البقرة: 214] ، أي: حتى قال.
وقال أبو علي فيما استدرك على أبي إسحاق الآية: تحتمل تأويلين، كلُّ واحد منهما أسوغ مما ذكره وذهب إليه.
أحدهما: أن يكون {تَتلُوا} بمعنى: تلت فيكون كقوله: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ} [البقرة: 91] . أي: فلم قتلتم، إلا أنه لما اتصل بقوله: {مِن قَبْلُ} علم أن المراد بمثال المضارع الماضي، فكذلك هنا كان يعلم باتصال الكلام بعهد سليمان؛ لأن المعنى: على عهد ملك سليمان، أو في زمن ملك سليمان، على تقدير حذف المضاف، وكان ذلك يدل على أن مثال المضارع يراد به الماضي.
ومن هذا قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الحج: 25] . يجوز عندي أن يكون المعنى: إنّ الذين كفروا وصدوا. فلما كان المعطوف عليه ماضيًا دلّ على أن المراد بالمضارع أيضًا الماضي، ويقوي هذا قوله: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 1] . ويجوز أن يكون المضارع على بابه، كأنه قال: إنّ الذين كفروا فيما مضى وهم الآن يصدُّون مع ما تقدم من كفرهم. والأول كأنه أقوى.