الثالث: أراد به الملائكة وعزيراً والمسيح، أي كل من هؤلاء الذين حكموا عليهم بالولد أنهم قانتون له، يحكى عن علي بن أبي طالب قال لبعض النصارى: لولا تمرد عيسى عن عبادة الله لصرت على دينه، فقال النصراني: كيف يجوز أن ينسب ذلك إلى عيسى مع جده فِي طاعة الله، فقال علي رضي الله عنه: فإن كان عيسى إلهاً فالإله كيف يعبد غيره إنما العبد هو الذي يليق به العبادة، فانقطع النصراني. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 23}
قوله تعالى: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} ابتداء وخبر، والتقدير كلهم، ثم حذف الهاء والميم.
"قَانِتُونَ"أي مطيعون وخاضعون؛ فالمخلوقات كلها تَقْنُت لله، أي تخضع وتطيع.
والجمادات قُنُوتهم فِي ظهور الصنعة عليهم وفيهم.
فالقنوت الطاعة، والقنوت السكوت؛ ومنه قول زيد بن أرْقَم: كنا نتكلّم فِي الصلاة، يُكَلِّم الرجل صاحبَه إلى جنبه حتى نزلت: {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] فأُمرنا بالسكوت ونُهينا عن الكلام.
والقنوت: الصلاة؛ قال الشاعر:
قانِتاً لله يَتْلُو كُتُبَه ... وعلى عمد من الناس اعتزل
وقال السُّدّى وغيره فِي قوله: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} أي يوم القيامة.
الحسن: كل قائم بالشهادة أنه عبده.
والقنوت فِي اللغة أصله القيام؛ ومنه الحديث:"أفضل الصلاة طول القنوت"قاله الزجاج.
فالخلق قانتون؛ أي قائمون بالعبودية إمّا إقراراً وإمّا أن يكونوا على خلاف ذلك؛ فأثر الصنعة بيِّنٌ عليهم.
وقيل: أصله الطاعة؛ ومنه قوله تعالى: {والقانتين والقانتات} [الأحزاب: 35] .
وسيأتي لهذا مزيد بيان عند قوله تعالى، {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] . انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 2 صـ 86}