قوله تعالى: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ ملَّة إبْراهيمَ إلَّا مَنْ سَفهَ نَفْسَهُ وَلَقَد اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا ...(130)
قوله:(استبعاد وإنكار لأن يكون أحد يركب عن ملته الواضحة الغراء أي لا يرغب
أحد عن ملته)الاستبعاد هنا عد الشيء بعيدًا، وهو يستلزم الإنكار وكثيرًا ما يجمع بَيْنَهُمَا
والْأَوْلَى تَرْكُه لإيهامه الجمع بين المَعْنَيَيْن المجازيين وهو وإن كان جائزًا عنده لكن لا
حاجة إليه واعتذر بعضهم بأن معناه الإنكار المبني عَلَى الاستبعاد لا عَلَى الامتناع لا أنهما
قصدا معًا والكل تكلف، ولما كان حاصل الإنكار النفي قال أي لا يرغب عن ملته للإشَارَة
إلى أن الإنكار إنكار الوقوع لا إنكار الواقع.
قوله: (لا من استمهنها وأذلها واستخف بها) وأذلها عطف تفسير له؛ إذ معناه عدها مهيئة
ذليلة وفيه إشَارَة إلَى سفه متعد، وأما اللازم فسفه بالضم بمعنى صار ذا سفه وهو حَقيقَة.
قوله: (قال المبرد وثعلب سفه بالكسر متعد وبالضم لازم) تأييد لما اختاره من أن
سفه في النظم الشريف متعد وبالضم لازم وسره ما ذكر آنفًا من أن معنى سفه بالكسر أذلها
واستخف أي جعلها ذليلًا وخفيفًا، وما نقل عن القاموس وسفه نفسه أي حمله عَلَى السفه
قريب من هذا ومعنى سفه بالضم صار ذا سفه ومعنى الأول متعد والثاني لازم لا أنهما مع
كونهما بمعنى واحد معد ولازم؛ إذ لا مساغ له.
قوله: (ويشهد له ما جاء في الْحَديث الكبر أن تسفه الحق وتغمط النَّاس) أن تسفه الحق
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: استمهنها قيل الْمَشْهُور والأكثر أن سفه لازم ففي نصب نفسه وجوه: أحدها أن
يكون سفه متعديًا أي امتهنها ونفسه مَفْعُولًا به وعن بعضهم أنه ضمن معنى جهل فتعدى
تعديته كأنه قيل جهل نفسه لخفة عقله، والثاني أن سفه لازم ونفسه تمييز لكن التمييز في
النكرات أكثر قال:
وَما قَوْمي [بثَعْلَبَةَ] بْن سَعْدٍ ... وَلا بفَزَارَةَ الشّعْرَ الرَقابا
فإن الرقابا معرفًا باللام تمييز وكان الأصل في التمييز أن ينكر ويقال الشعر رقابًا والرواية
الشعري رقابًا عَلَى أن شعرى جمع كمرضى وجرحى أو الشعرى كعظمى تأنيث الأشعر فـ [حِينَئِذٍ] لا
يصلح للاستشهاد وفزارة قبيلتان، والشعر جمع أشعر وهو الكثير البشر كالحمر في جمع أحمر. قال
الْجَوْهَريُّ: وقولهم سفه نفسه وغبن رأيه وبطر عيشه وألم بطنه ووفق أمره ورشد أمره كان الأصل
سفهت نفس زيد ورشد أمره، فلما حول الْفعْل إلَى الرجل انتصب ما بعده بوقوع الْفعْل عليه؛ لأنه
صار في معنى سفَّه نفسه بالتشديد هذا قول البصريين والكسائي، ويجوز عندهم تقديم هذا
المنصوب كما يجوز غلامه ضرب زيد، وقال الفراء لما حول الْفعْل من النفس إلَى صاحبها خرج ما
بعده مفسر ليدل عَلَى أن السفه فيه وكان حكمه أن يكون سفه زيد نفسًا لأن المفسر لا يكون إلا
نكرة ولكنه ترك عَلَى إضَافَته ونصب كنصب النكرة تشبيهًا، ولا يجوز عنده تقديمه لأن المفسر لا
يتقدم. أقول: لا يبعد أن يكون صدق وعده من هذا القبيل.
قوله: ويشهد له أي ويشهد عَلَى أنه بالكسر متعد ما جاء في الْحَديث فإنه اشتمل فيه متعديًا
حيث قال عَلَيْهِ السَّلَامُ"أن تسفه الحق وتغمض النَّاس"أي [تحتقر] والْحَديث من رواية ابن مسعود
"الكبر بطر [الحق] وغمط النَّاس". أخرجه مسلم والترمذي. قال صاحب النهاية وفي الْحَديث إنما ذلك من
سفه الحق وغمط النَّاس، يقول غمض النَّاس يغمضهم غمضًا وكَذَلكَ غمط أي حقرهم ولم يرهم
شَيْئًا. بطرا للحق، وهو أن يجعل ما جعله الله حقًا من توحيده سبحانه وعبادته باطلًا. قال ابْن عَبَّاسٍ
(إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) . أو السفه غلبة الجهل وركوب الهوى، وهذا اختيار الزجاج. قال الرَّاغب: سفه نفسه