[من روائع الأبحاث]
قال السُّرَّمَرِّي:
وأما قول الله تعالى في إبراهيم: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة 124]
ففي الحديث أن نبينا - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنا إمامهم إذا بُعثوا وخطيبهم إذا ورَدُوا ... » الحديث, وقد صلى بإبراهيم وغيره من الأنبياء ليلة الإسراء وشريعته داخلة في شريعة محمد صلى الله عليهما وسلم وشريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - أتم وأكمل من شريعة إبراهيم صلى الله عليه وسلم كما هو معروف؛ وقوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا} [النحل 120]
ومعنى الأمة أنه كان معلماً للخير وداعياً إليه, ولا ريب أنَّ علم نبينا - صلى الله عليه وسلم - وتعليمَه وما ظهر من الخير على يديه في زمانه وبعد موته بسببه أمر لا يكاد يرتاب فيه عاقل, فإنَّ علمَه وشريعته متداولة بين أمته إلى يوم القيامة, وسنَّة إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - من بعض ماهو من سنن محمد - صلى الله عليه وسلم - التي دعا إليها وأمر بالاستنان بها, وقنوت محمد - صلى الله عليه وسلم - كان أعظم فإنه - صلى الله عليه وسلم - لما نزل عليه: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح 2] قام فصلى حتى تفطرت قدماه فقيل له: قد غُفر لك من ذنبك ما تقدم وما تأخر, فقال: «أفلا أكون عبداً شكوراً»
وصلّى حتى أنزل عليه - صلى الله عليه وسلم: {طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [طه: 1 - 3] .
(فصل)
وأما قوله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37] : أي وفَّى بما ابتلاه به من قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة 124]
اختلف العلماء في الكلمات التي ابتلى الله تعالى بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما:"هي ثلاثون سهماً, وهي شرائع الإسلام لم يُبْتلَ أحدٌ بهذا الدين فأقامه كلَّه إلا إبراهيم - عليه السلام - أتمهنَّ فكُتِب له البراءة فقال: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37] وهي عشر في سورة براءة: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ ... } إلى آخرها [التوبة: 112] "