قال - رحمه الله:
{وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ}
يريد الذين قالوا المسيح ابن الله، وعزيرٌ ابن الله، والملائكة بنات الله، فأكذب الله تعالى جميعهم فِي دعواهم وقولهم: إن لله ولداً؛ فقال: {سبحانه} أي: تقدس وتنزه عما زعموا تنزهاً بليغاً. وكلمة: {بل} للإضراب عما تقتضيه مقالتهم الباطلة من مجانسته سبحانه وتعالى لشيء من المخلوقات. أي: ليس الأمر كما زعموا، بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها عزير والمسيح والملائكة، والتنوين فِي: {كلٌّ} عوض عن المضاف إليه. أي: كل ما فيهما، كائناً ما كان من أولي العلم وغيرهم: {لَّهُ قَانِتُونَ} منقادون، لا يستعصي شيء منهم على تكوينه وتقديره ومشيئته، ومن كان هذا شأنه لم يتصور مجانسته لشيء، ومن حق الولد أن يكون من جنس الوالد.
قال الراغب فِي تفسيره: نبه على أقوى حجة على نفي ذلك، وبيانها: هو أن لكل موجود فِي العالم، مخلوقاً طبيعياً، أو معمولاً صناعياً، غرضاً وكمالاً أوجد لأجله، وإن كان قد يصلح لغيره على سبيل العرض، كاليد للبطش، والرجل للمشي، والسكين لقطع مخصوص، والمنشار للنشر، وإن كانت اليد قد تصلح للمشي فِي حالٍ، والرجل للتناول، لكن ليس على التمام.
والغرض فِي الولد للإنسان إنما هو لأن يبقى به نوعه، وجزء منه، لَمّا لم يجعل الله له سبيلاً إلى بقائه بشخصه، فجعل له بذراً لحفظ نوعه. ويقوي ذلك، أنه لم يجعل للشمس والقمر وسائر الأجرام السماوية بذراً واستخلافاً، لمّا لم يجعل لها فناء النبات والحيوان.