{مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ} الوُدُّ حبُّ الشيء ِ مع تمنِّيه، ولذلك يستعمل فِي كلَ منهما، ونفيُه كنايةٌ عن الكراهة، ووضعُ الموصول موضعَ الضمير للإشعار بعلّية ما فِي حيز الصلةِ لعدم وُدِّهم، ولعل تعلقَه بما قبله من حيث إن القولَ المنهيَّ عنه كثيراً ما كان يقع عند تنزيل الوحْي المعبَّرِ عنه فِي هذه الآية بالخير، فكأنه أُشير إلى أن سببَ تحريفِهم له إلى ما حُكي عنهم لوقوعه فِي أثناء حصولِ ما يكرهونه من تنزيلِ الخير وقيل: كان فريق من اليهود يُظهرون للمؤمنين محبةً ويزعُمون أنهم يَودُّون لهم الخير فنزلت تكذيباً لهم فِي ذلك، و (من) فِي قوله تعالى: {مِنْ أَهْلِ الكتاب وَلاَ المشركين} للتبيين كما فِي قوله عز وعلا: {لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين} و (لا) مزيدةٌ لما ستعرفه {أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم} فِي حيز النصب على أنه مفعولُ (يود) ، وبناءُ الفعل للمفعول للثقة بتعيُّن الفاعل، والتصريحُ الآتي فِي قوله تعالى: {مّنْ خَيْرٍ} هو القائمُ مقامَ فاعلِه ومن مزيدة للاستغراق، والنفيُ وإن لم يباشرْه ظاهراً لكنه منسحبٌ عليه معنىً، والخيرُ الوحيُ، وحملُه على ما يعمّه وغيره من العلم والنُّصرة كما قيل: يأباه وصفُه فيما سيأتي بالاختصاص، وتقديم هو عليكم والأصل: أن ينزل من خير عليكم الظرف عليه مع أن حقه التأخرُ عنه لإظهار كمال العنايةِ به، لأنه المدارُ لعدم ودِّهم، ومن فِي قوله تعالى: {مّن رَّبّكُمْ} ابتدائية، والتعرُّضُ لعنوان الربوبية للإشعار بعليته لتنزيل الخيرِ والإضافة إلى ضمير المخاطبين لتشريفهم، وليست كراهتُهم لتنزيله على المخاطبين من حيث تعبُّدُهم بما فيه وتعريضُهم بذلك لسعادة الدارين كيف لا وهم من تلك الحيثية من جملة مَنْ نزَلَ عليهم الخيرُ بل من حيث وقوعُ ذلك التنزيلِ على النبي صلى الله عليه وسلم، وصيغةُ الجمعِ للإيذان بأن مدارَ