{بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي بسبب ما عملوا من المعاصي الموجبة للنار كالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وقتل الأنبياء، و (ما) موصولة، والعائد محذوف أو مصدرية ولا حذف، واليد كناية عن نفس الشخص، ويكنى بها عن القدرة أيضاً لما أنها من بين جوارح الإنسان مناط عامة صنائعه ومدار أكثر منافعه، ولا يجعل الإسناد مجازياً؛ واليد على حقيقتها فيكون المعنى بما قدموا بأيديهم كتحريف التوراة ليشمل ما قدموا بسائر الأعضاء، وهو أبلغ فِي الذم.
{والله عَلِيمٌ بالظالمين} تذييل للتهديد والتنبيه على أنهم ظالمون فِي ادعاء ما ليس لهم ونفيه عن غيرهم، والمراد بالعلم إما ظاهر معناه، أو أنه كنى به عن المجازاة، وأل إما للعهد وإيثار الإظهار على الإضمار للذم، وإما للجنس فيدخل المعهودون فيه على طرز ما تقدم. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 1 صـ 328 - 329}
"فائدة جليلة"
قال السمرقندي:
قال الزجاج: فِي هذه الآية أعظم حجة وأظهر دلالة على صحة رسالته صلى الله عليه وسلم، لأنه قال لهم: فتمنوا الموت، وأعلمهم أنهم لن يتمنوه أبداً فلم يتمنه واحد منهم.
وفي هذه الآية دليل أن"لن"لا تدل على التأبيد، لأنهم يتمنون الموت فِي الآخرة
خلافاً لقول المعتزلة فِي قولهم: لن تراني ويقال: إن قوله (لن) إنما يقع على الحياة الدنيا خاصة، ولم يقع على الآخرة لأنهم يتمنون الموت فِي النار إذا كانوا فِي جهنم (1) ، ولو أنهم سألوا الموت فِي الدنيا ولم يموتوا، وكان فِي ذلك تكذيباً لقول النبي صلى الله عليه وسلم، وكان فِي ذلك أيضاً ذهاب معجزته. (2)
فلما لم يتمنوا الموت، ثبت بذلك عندهم أنه رسول الله وظهر عندهم معجزته، وظهر أن الأمر كما قال تعالى: {والله عَلِيمٌ بالظالمين} ، فهو عليم بهم وبغيرهم من الظالمين؛ وإنما الفائدة هاهنا أنه عليم بمجازاتهم. انتهى انتهى. {بحر العلوم حـ 1 صـ 101}
(1) يقول ابن القماش:
يشير إلى قوله تعالى على لسان أهل النار"ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك" [الزخرف: 77] .
(2) يقول العاجز الفقير:
هذا كلام نفيس يرد رداً قاطعاً على المعتزلة الذين يقولون بنفي الرؤية مستدلين بقوله تعالى رداً على موسى عليه السلام لما طلب الرؤية قيل له"لن تراني"بناء على أن [لن] للنفي على التأبيد، فكان فِي هذه الآية"ولن يتمنوه أبداً"قطعاً وإبطالاً لحجتهم ومن ملح العلم أن المعتزلة استدلوا على نفي الرؤية بـ [لن] و [لا] فِي قوله تعالى"لن تراني"وقوله"لا تدركه الأبصار"، ونفي تمنى اليهود للموت ورد بـ [لن يتمنوه] و [ولا يتمنونه] وقد تقدمت الإشارة إلى أن نفي هذا التمني مقيد بالدنيا دون الآخرة، وكذلك إن شاء الله نفي الرؤية مقيد بالدنيا دون يوم المزيد نسأل الله أن يمن علينا بالنظر إلى وجهه الكريم.