[من روائع الأبحاث]
(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
قوله: {يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 167] ، والقول لا يكون إلا بالفم، وقوله: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ} ، والكتابة لا تكون إلا باليد، وقوله: {وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ} [الأنعام: 38] ، والطائر لا يطير إلا بجناحيه، وقوله: {فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] ، وقوله: {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 26] والسقف لا يخرّ إلا من فوقهم، وقوله: {فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ} [الصافات: 93] ولا معنى لذكر اليمين دون الشمال، وقوله: {فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ} [البقرة: 196] ، وأغبى الناس وأقلهم ذهنا وبصيرة يعلم أن ثلاثة وسبعة عشرة، فلا معنى لهذا الكلام.
فيقال لهم: لا تعلّق لكم في شيء مما ذكرتم لأمرين:
أحدهما: أنّ العرب قد تكرر وتريد اللفظة التي معناها معنى ما قبلها للتوكيد، وتستجيز ذلك وتستحسنه في عادتها وصرف خطابها، ولذلك يقول القائل منهم: رأي عينيّ وسمع أذني، وكلمته من فمي، وسمعته من فيه، على وجه التأكيد للخبر، وكذلك قولهم: عجّل عجّل، وقم قم، فإذا ساغ ذلك وجاز تكرار الكلمة لتوكيد، كان تكراره بلفظين مختلفين أحسن وأولى، والله سبحانه إنما خاطب العرب على عادتها، والمألوف من خطابها، فسقط بذلك ما قلتم.
والوجه الآخر: أنّ لكلّ شيء مما أوردتموه معنى زائدا صحيحا.
فأمّا قوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ} فإنّما المراد به أنّهم قالوا ذلك بأنفسهم وأفواههم بغير إشارة ولا كتاب ولا مراسلة لأنّ القائل قد يقول:
قلت لزيد كذا وهو يعني أمرت من يقول له، وراسلته به، وكتبت بذلك إليه، وأشرت إشارة ورمزت رمزا، قال الله تعالى: {آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ «ثَلاثَةَ أَيَّامٍ» إِلَّا رَمْزاً} [آل عمران: 41] ، وقال الشاعر:
وقالت له العينان سمعا وطاعة ... وحدرتا كالدّر لما ينظم
وقال آخر:
وتخبرني العينان ما القلب كاتم ... فإذا قال له قلت له بفمي ولساني
زالت التأويلات.