قوله تعالى {فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين}
فصل
قال الفخر:
أما قوله تعالى: {فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين} فالمراد الإبعاد من خيرات الآخرة، لأن المبعد من خيرات الدنيا لا يكون ملعوناً.
فإن قيل: أليس أنه تعالى ذكر فِي الآية المتقدمة: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83] وقال: {وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108]
قلنا: العام قد يتطرق إليه التخصيص على أنا بينا فيما قبل أن لعن من يستحق اللعن من القول الحسن. والله أعلم. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 165}
وقال أبو حيان:
{فلعنة الله على الكافرين} : لما كان الكتاب جائياً من عند الله إليهم، فكذبوه وستروا ما سبق لهم عرفانه، فكان ذلك استهانة بالمرسل والمرسل به.
قابلهم الله بالاستهانة والطرد، وأضاف اللعنة إلى الله تعالى على سبيل المبالغة، لأن من لعنه الله تعالى هو الملعون حقيقة.
{قل هل أنبئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله} {ومن يعلن الله فلن تجد له نصيراً} ثم إنه لم يكتف باللعنة حتى جعلها مستعلية عليهم، كأنه شيء جاءهم من أعلاهم، فجللهم بها، ثم نبه على علة اللعنة وسببها، وهي الكفر، كما قال قبل: {بل لعنهم الله بكفرهم} ، وأقام الظاهر مقام المضمر لهذا المعنى، فتكون الألف واللام للعهد، أو تكون للعموم، فيكون هؤلاء فرداً من أفراد العموم.
قال الزمخشري: ويجوز أن تكون للجنس، ويكون فيه دخولاً أولياً.
ونعني بالجنس العموم، وتخيله أنهم يدخلون فيه دخولاً أولياً ليس بشيء، لأن دلالة العلة على إفراده ليس فيها بعض الإفراد أولى من بعض، وإنما هي دلالة على كل فرد فرد، فهي دلالة متساوية.
وإذا كانت دلالة متساوية، فليس فيها شيء أول ولا أسبق من شيء. انتهى انتهى. {البحر المحيط حـ 1 صـ 472}
{فلعنة الله} أي: عذابه وطرده {على الكافرين} أي: عليهم، وإنما أتى بالمظهر للدلالة على أنهم لعنوا لكفرهم فتكون اللام للعهد ويجوز أن تكون للعموم ويدخلون فيه دخولاً أولياً أو قصدياً لأنهم المقصودون بالذات وتناول الكلام لغيرهم على سبيل التبع فهو كما إذا ظلمك إنسان فقلت: ألا لعنة الله على الظالمين كان ذلك الظالم أوّلياً أو مقصوداً فِي الدعاء والباقون تبعاً. انتهى انتهى. {السراج المنير حـ 1 صـ 122 - 123}