89 -قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاَءَهُم كِتَابٌ} يعني: القرآن {مُصَدِّقٌ} موافق {لِمَا مَعَهُمْ} ؛ لأنه جاء على ما تقدّم به الإخبار في التوراة والإنجيل، فهو مصداق الخبر المتقدم، من حيث كان مخبره على ما تقدم الخبر به.
وقوله تعالى: {وَكَانُوا} يعني: اليهودَ.
و (كان) ليس بفعل حقيقي كسائر الأفعال، والفرق بينه وبين الفعل الحقيقي، أن الفعل الحقيقي يدل على وجود معنى مصدره بعد أن لم يكن، في ماض أو حاضر أو مستقبل، و (كان) إنما يدل على الزمان الماضي أو الحاضر والمستقبل في تصريفه فقط، من غير دلالة على وجود مصدره بعد أن لم يكن كقولك: كان زيد عالمًا معناه: زيد عالم فيما مضى.
وذكرنا ما في (كان) عند قوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة:28] .
وقوله تعالى {مِنْ قَبْلُ} أي: من قبل هذا الكتاب وقبل هذا النبي. {يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} قال ابن عباس والسدي: هو أنهم إذا حزبهم أمر، وظهر لهم عدوٌّ، قالوا: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان، وكانوا يسألون الله النصرَ بمحمد وبكتابه.
وذكرنا معنى (الفتح والاستفتاح) عند قوله: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 76] . وفي الكلام إضمار واختصار، أراد: وكانوا من قبل يستفتحون به، أي: بذلك الكتاب، فلما سبق ذكر الكتاب لم يُعِده. ومثله في الكلام: السَّمْنُ مَنَوَان بدرهم أي: منه، ولكنك لا تعيد ذكره، وقد سبق في أول كلامك.
وقوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} يعني: الكتاب وبعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك أنهم كانوا قرأوا في التوراة: إن الله تعالى يبعث في آخر الزمان نبيًّا، وينزل عليه قرآنًا مبينًا أي: بالكتاب، ويبعث صاحب ذلك الكتاب.
أعلم الله أنهم كفروا وهم يوقنون، وأنهم مُتَعمدون للشقاق وعداوة الله.