قال - عليه الرحمة:
{ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء} خطابٌ خاصٌّ بالحاضرين فيه توبيخ شديدٌ واستبعادٌ قويٌّ لما ارتكبوه بعد ما كان من الميثاق والإقرارِ به والشهادةِ عليه، وأنتم مبتدأ هؤلاءِ خبرُه، ومَناطُ الإفادةِ اختلافُ الصفاتِ المنزَّلةِ منزلةَ اختلافِ الذات، والمعنى أنتم بعد ذلك هؤلاءِ المشاهِدون الناقضون المتناقضون حسبما تُعربُ عنه الجملُ الآتية، فإن قوله عز وجل: {تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ} الخ بيانٌ له وتفصيلٌ لأحوالهم المُنْكَرة المندرجةِ تحت الإشارةِ ضمناً كأنهم قالوا: كيف نحن؟ فقيل: تقتُلون أنفسَكم أي الجارين مَجرى أنفسِكم كما أشير إليه، وقرئ تُقتّلون بالتشديد للتكثير {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم} الضمير إما للمخاطبين والمضافُ محذوفٌ أي من أنفسكم، وإما للمقتولين والخطابُ باعتبار أنهم جُعلوا أنفُسَ المخاطَبين، وإلا فلا يتحقق التكافُؤُ بين المقتولين والمخرجين فِي ذلك العنوان الذي عليه يدور فلَكُ المبالغة فِي تأكيد الميثاقِ حسبما نُصَّ عليه، ولا يظهر كمالُ قباحةِ جناياتِهم فِي نقضه {مِن ديارهم} الضمير للفريق، وإيثارُ الغَيْبة مع جواز الخِطاب أيضاً بناءً على اعتبار العنوان المذكورِ كما مر فِي الميثاق للاحتراز عن توهّم كونِ المرادِ إخراجَهم من ديار المخاطَبين من حيث هي ديارُهم لا من حيث هي ديارُ المخرِجين، وقيل: هؤلاءِ موصولٌ والجملتان فِي حيّز الصلةِ، والمجموعُ هو الخبرُ لأنتم {تظاهرون علَيْهِم} بحذف إحدى التاءين، وقرئ بإثباتهما وبالإدغام وتظّهرون بطرح إحدى التاءين من تتظهرون ومعنى الكل تتعاونون وهي حالٌ من فاعل تَخرجون أو من مفعوله أو منهما جميعاً، مبينةٌ لكيفية الإخراج دافعةٌ لتوهم اختصاصِ الحُرمة بالإخراج بطريق الأصالةِ والاستقلالِ، دون المظاهرةِ والمعاونة {بالإثم} متعلقٌ بتظاهرون حال من فاعله أي متلبسين بالإثم وهو الفعلُ الذي يستحق فاعلُه الذمَّ واللومَ، وقيل: وهو ما