(مع النص الحكيم السامي)
[فصل]
قال البقاعي:
ثم ذكر أمراً آخر هو أبين فِي عنادهم وأنهم إنما هم مع الهوى فقال مقبلاً على خطابهم لأنه أشد فِي التقريع (وإذ أخذنا) وأظهره فِي مظهر العظمة تصويراً لمزيد جرأتهم (ميثاقكم) على الإيمان والطاعة (ورفعنا فوقكم الطور) الجبل العظيم الذي جعلناه زاجراً لكم عن الرضى بالإقامة فِي حضيض الجهل ورافعاً إلى أوج العلم وقلنا لكم وهو فوقكم (خذوا ما آتيناكم) من الأصول والفروع فِي هذا الكتاب العظيم (بقوة) .
ولما كانت فائدة السماع القبول ومن سمع فلم يقبل كان كمن لم يسمع قال (واسمعوا) وإلا دفناكم به، وذلك حيث يكفي غيركم فِي التأديب رفع الدرة والسوط عليه فينبعث للتعلم الذي أكثر النفوس الفاضلة تتحمل فيه المشاق الشديدة لما له من الشرف ولها به من الفخار؛ ولما ضلوا بعد هذه الآية الكبرى وشيكاً مع كونها مقتضية للثبات على الإيمان بعد أخذ الميثاق الذي لا ينقضه ذو مروءة فكان ضلالهم بعده منبئاً عن أن العناد لهم طبع لازم فكانوا كأنهم عند إعطاء العهد عاصون قال مترجماً عن أغلب أحوال أكثرهم فِي مجموع أزمانهم وهو ما عبر عنه فِي الآية السالفة بقوله:
(ثم توليتم) [البقرة: 83] مؤذناً بالغضب عليهم بالإعراض عن خطابهم بعد إفحامهم بالمواجهة فِي تقريعهم حيث ناقضوا ما قال لهم من السماع النافع لهم فأخبروا أنهم جعلوه ضاراً (قالوا سمعنا) أي بآذاننا (وعصينا) أي وعملنا بضد ما سمعنا؛ وساقه لغرابته مساق جواب سائل كأنه قال: رفع الطور فوقهم أمر هائل جداً مقتض للمبادرة إلى إعطاء العهد ظاهراً وباطناً والثبات عليه فما فعلوا؟ فقيل: بادروا إلى خلاف ذلك (وأشربوا) فأعظم الأمر بإسناد الفعل إليهم ثم إلى قلوبهم، وهو من الإشراب وهو مداخلة نافذة سائغة كالشراب وهو الماء المداخل كلية الجسم للطافته ونفوذه - قاله الحرالي:
وقال الكشاف: وخلط لون بلون (فِي قلوبهم العجل) أي حبه وحذفه للإيذان بشدة التمكن بحيث صار المضاف هو المضاف إليه (بكفرهم) وفيه إشارة إلى أن من أعرض عن امتثال الأمر استحق الإبعاد عن مقام الأنس.
قال الإمام أبو الحسن الحرالي فِي المفتاح الباب الثامن فِي وجوه بيان الإقبال والإعراض فِي القرآن: