{وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} عطف على {استكبرتم} [البقرة: 78] أو على {كَذَّبْتُمْ} [البقرة: 7 8] فتكون تفسيراً للاستكبار، وعلى التقديرين فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة إعراضاً عن مخاطبتهم وإبعاداً لهم عن الحضور، والقائلون هم الموجودون فِي عصر النبي صلى الله عليه وسلم، والغلف جمع أغلف كأحمر وحمر وهو الذي لا يفقه، قيل: وأصله ذو الغلفة الذي لم يختن، أو جمع غلاف ويجمع على غلف بضمتين أيضاً.
وبه قرأ ابن عباس وغيره، وأرادوا على الأول قلوبنا مغشاة بأغشية خلقية مانعة عن نفوذ ما جئت به فيها، وهذا كقولهم: {قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فصلت: 5] قصدوا به إقناط النبي صلى الله عليه وسلم عن الإجابة وقطع طمعه عنهم بالكلية، وقيل: مغشاة بعلوم من التوراة نحفظها أن يصل إليها ما تأتي به، أو بسلامة من الفطرة كذلك، وعلى الثاني أنها أوعية العلم فلو كان ما تقوله حقاً وصدقاً لوعته قاله ابن عباس وقتادة والسدي أو مملوءة علماً فلا تسع بعد شيئاً فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره، روي ذلك عن ابن عباس أيضاً، وقيل: أرادوا أنها أوعية العلم فكيف يحل لنا اتباع الأمي ولا يخفى بعده. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 1 صـ 318 - 319}
وقال ابن عاشور:
{وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ}
إما عطف على قوله: {استكبرتم} [البقرة: 87] أو على {كذبتم} [البقرة: 87] فيكون على الوجه الثاني تفسيراً للاستكبار أي يكون على تقدير عطفه على {كذبتم} من جملة تفصيل الاستكبار بأن أشير إلى أن استكبارهم أنواع: تكذيبٌ وتقتيل وإعراض.
وعلى الوجهين ففيه التفات من الخطاب إلى الغيبة وإبعاد لهم عن مقام الحضور فهو من الالتفات الذي نكتته أن ما أجري على المخاطب من صفات النقص والفظاعة قد أوجب إبعاده عن البال وإعراضَ البال عنه فيشار إلى هذا الإبعاد بخطابه بخطاب البعد فهو كناية.