قال - رحمه الله:
{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ}
أي: لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها من دلائل النبوة، فيؤمنوا {لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ} أي: التوراة، أي: لا يدرون ما فيها من حدود وأحكام ومواثيق: {إِلاَّ أَمَانِيَّ} بالتشديد جمع أمنية، أصلها أُمْنٌوْيَة"أُفْعُوْلَة"فأعلَّت إعلال سيّد، وميّت. مأخوذة من تمنَّى الشيء: قدّرة وأحب أن يصير إليه. أو من تمنَّى: كذب. أو من تمنَّى الكتاب: قرآه. وعلى كلٍّ فالاستثناء منقطع؛ إذ ليس ما يُتمنى، وما يُختلق وما يُتلى، من جنس علم الكتاب أي: لا يعلمون الكتاب. لكن يتمنون أمانيّ حسبما منَّتْهم أحبارهم من أن الله سبحانه يعفو عنهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وغير ذلك من أمانيهم الفارغة، المستندة إلى الكتاب، على زعم رؤسائهم. أو لا يعلمون الكتاب، لكن أكاذيب مختلفة سمعوها من علمائهم، فتقبلوها على التقليد. أو لا يعلمون الكتاب لكن يتلقونه قدر ما يتلى عليهم، فيقبلونه من غير أن يتمكنوا من التدبر والتأمل فيه.
قال ابن جرير: وأولى ما روينا فِي تأويل قوله: {إِلاَّ أَمَانِيَّ} أن هؤلاء الأميين لا يفقهون، من الكتاب الذي أنزله الله، شيئاً. ولكنهم يتخرصون الكذب ويتقوّلون الأباطيل كذباً وزوراً. والتمني فِي هذا الموضع هو تخلقّ الكذب وتخرّصه وافتعاله. بدليل قوله تعالى بعدُ: {إن هم إلا يظنون} فأخبر عنهم أنهم يتمنون ما يتمنون من الأكاذيب ظناً منهم، لا يقنياً.