قال - رحمه الله:
قوله تعالى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ} قرأ الجمهور"لا ذلولٌ"بالرفع على الصفة لبقرة.
قال الأخفش: {لاَّ ذَلُولٌ} نعته ولا يجوز نصبه.
وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَمِي"لاَّ ذَلُولَ"بالنصب على النفي والخبر مضمر.
ويجوز لا هي ذلول، لا هي تسقي الحرث، هي مُسَلّمة.
ومعنى {لاَّ ذَلُولٌ} لم يذلّلها العمل؛ يقال: بقرة مذلَّلة بيّنة الذِّل (بكسر الذال) .
ورجل ذليل بيّن الذُّلّ (بضم الذال) .
أي هي بقرة صعبة غير رَيّضة لم تذلَّل بالعمل.
قوله تعالى: {تُثِيرُ الأرض} "تُثير"فِي موضع رفع على الصفة للبقرة؛ أي هي بقرة لا ذَلُولٌ مُثيرة.
قال الحسن: وكانت تلك البقرة وحْشِيّة، ولهذا وصفها الله تعالى بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، أي لا يُسْنَى بها لَسقْي الزرع ولا يُسقى عليها.
والوقف ها هنا حسن.
وقال قوم:"تثير"فعل مستأنف، والمعنى إيجاب الحرث لها، وأنها كانت تحرث ولا تسقي.
والوقف على هذا التأويل"لا ذلول".
والقول الأوّل أصح لوجهين: أحدهما: ما ذكره النحاس عن عليّ بن سليمان أنه قال: لا يجوز أن يكون"تثير"مستأنفاً؛ لأن بعده"ولا تسقي الحرث"، فلو كان مستأنفاً لما جمع بين الواو و"لا".
الثاني: أنها لو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذلّلتها، والله تعالى قد نفى عنها الذّل بقوله:"لا ذلول".
قلت: ويحتمل أن تكون"تثير الأَرْضَ"فِي غير العمل مرحاً ونشاطاً؛ كما قال امرؤ القيس:
يُهِيل ويُذرِي تُرْبَه ويُثيره ... إثارةَ نَبّاث الهواجرِ مُخْمِسِ
فعلى هذا يكون"تثير"مستأنفاً،"ولا تسقي"معطوف عليه؛ فتأمله.
وإثارة الأرض: تحريكها وبحثها؛ ومنه الحديث:"أثِيروا القرآن فإنه عِلْم الأوّلين والآخرين"وفي رواية أخرى:"من أراد العلم فَلْيُثَوِّر القرآن"وقد تقدّم.
وفي التنزيل: {وَأَثَارُواْ الأرض} [الروم: 9] أي قَلبوها للزراعة.