ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة ثالثة عظيمة حصل بها تمام الإنجاء وتجلى فيها إكرام الله لهم، وهي نعمة فرق البحر بهم فقال تعالى:
[سورة البقرة (2) : آية 50]
وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)
والمعنى: واذكروا يا بني إسرائيل من جملة نعمنا عليكم، نعمة فرق البحر بكم، وانفصاله بعد اتصاله، حين ضربه موسى بعصاه، فأصبحت فيه طريق يابسة فولجتموها، وسرتم فيها هربا من فرعون وجنده؟ بذلك تمت لكم النجاة، وحصل الغرق لأعدائكم، وقت أن عبروا وراءكم وقد شاهدتموهم والبحر يلفهم بأمواجه، مشاهدة لا لبس فيها ولا غموض. ولقد كان فيما رأيتم ما يدعو إلى الاتعاظ، ويحمل على الشكر الجزيل لله العزيز الرحيم.
فالآية الكريمة تشير إلى قصة نجاة بني إسرائيل وغرق فرعون وقومه، وملخصها:
أن الله - عز وجل أوحى إلى نبيه - موسى - عليه السلام - أن يرحل ببني إسرائيل ليلا من أرض مصر التي طال عذابهم فيها إلى أرض فلسطين، ونفذ موسى - عليه السلام - ما أمره به الله - تعالى - وعلم فرعون أن موسى وقومه قد خرجوا إلى أرض الشام، فتبعهم بجيش كبير، وأدركهم مع طلوع الشمس قرب ساحل البحر الأحمر، وأيقن بنو إسرائيل عند ما رأوه أنه مهلكهم لا محالة. ولجئوا إلى موسى - عليه السلام - يشكون إليه خوفهم وفزعهم، ولكنه رد عليهم بقوله: إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ وأوحى الله إليه أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فضربه فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وأمر موسى - عليه السلام - بني إسرائيل أن يعبروا فعبروا بين فرقى الماء دون أن يمسهم أذى. واقتفى فرعون وجنوده أثرهم طمعا في إدراكهم وعند ما عبر بنو إسرائيل البحر ولم يبق منهم أحد بين المياه المنحسرة، كان فرعون وجنده ما زالوا بين فرقى البحر، فأطبق عليهم وعاد كما كان أولا، فغرقوا جميعا، وبنو إسرائيل ينظرون إليهم في دهشة وسرور.