وأسند - سبحانه - فرق البحر إلى ذاته الكريمة. ليدل على أن القوم عبروه وقطعوه وهم بعنايته، وقوله تعالى: فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ بيان للمنة العظمى التي امتن بها عليهم، والتي ترتبت على فرق البحر، لأن فرق البحر لهم ترتب عليه أمران.
أولهما: نجاتهم.
وثانيهما: إهلاك عدوهم وكلاهما نعمة عظيمة.
والإيمان الصحيح يقضى بأن تفهم واقعة انفصال البحر لموسى وقومه على أنها معجزة كونية له، وقد زعم البعض أنها كانت حادثة طبيعية منشؤها المد والجزر، وهو زعم لا سند له ولا دليل عليه.
واقتصرت الآية هنا على ذكر إغراق آل فرعون أي جنده وأنصاره، وصرحت آيات أخرى بغرقه مع آله، من ذلك قوله تعالى: فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً وقوله تعالى: (فأخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ)
ومن تمام النعمة أن الله - تعالى - أهلك مع فرعون كل مناصر له:
وقوله تعالى وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أي: أغرقنا آل فرعون وأنتم تشاهدونهم بأعينكم، فكان ذلك أدعى لليقين بهلاك عدوكم، وأبلغ في الشماتة به، وأرجى لشكر النعمة - ولا شك أن مشاهدة المنعم عليه للنعمة فيها لذة كبرى، ورؤيته لهلاك عدوه فيها عبرة عظمى، ومعاينته لانفراق البحر فيها تقوية لإيمانه، وتثبيت ليقينه، إذا كانوا ممن يحسنون الانتفاع بما يشاهدون.
قال الإمام الرازي ما ملخصه: (اعلم أن هذه الواقعة - أي واقعة فلق البحر - تضمنت نعما كثيرة على بني إسرائيل في الدين والدنيا، أما نعم الدنيا فمن وجوه:
أولها: أنهم لما اقتربوا من البحر أصبحوا في موقف حرج، لأن فرعون وجنوده من ورائهم والبحر من أمامهم، فإن هم توقفوا أدركهم عدوهم وأهلكهم، وإن هم تقدموا أغرقوا.
فحصل لهم خوف عظيم، جاءهم بعده الفرج بانفلاق البحر وهلاك عدوهم.
ثانيها: أن الله - تعالى - خصهم بهذه النعمة العظيمة والمعجزة الباهرة تكريما ورعاية لهم.