[من روائع الأبحاث]
(فصل: في الاستعانة بالله والاتكال عليه والعزاء بعزائه)
قال شمس الدين المنبجي:
ومن تسلية أهل المصائب: أن يستعينوا بالله ويتكلوا عليه، ويتعزوا بعزاء الله تعالى، ويمتثلوا أمره في الاستعانة بالصبر والصلاة، ويعلموا أن الله مع الصابرين، ويطلبوا استنجاز ما وعد الله به عباده على الصبر.
و «في حديث أنس بن مالك، قال: ألا أحدثكم بحديث لا يحدثكم به أحد غيري؟ كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوساً، فضحك، فقال: تدرون مم ضحكت؟
قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: عجبت للمؤمن، إن الله - عز وجل - لا يقضي له قضاء إلا كان خيراً له».
وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده، قال: قال إبراهيم بن داود: قال بعض الحكماء: إن لله عباداً يستقبلون المصائب بالبشر، قال: فقال: أولئك الذين صفت من الدنيا قلوبهم، ثم قال: قال وهب بن منبه: وجدت في زبور داود: يقول الله تعالى: يا داود، هل تدري من أسرع الناس ممراً على الصراط؟ الذين يرضون بحكمي وألسنتهم رطبة من ذكري.
فالمؤمن الموفق - نسأل الله تعالى حسن التوفيق - من يتلقى المصيبة بالقبول، ويعلم أنها من عند الله لا من عند أحد من خلقه، ويجتهد في كتمانها ما أمكن.
قال عبد العزيز بن أبي داود: ثلاثة من كنوز الجنة: كتمان المصيبة وكتمان المرض وكتمان الصدقة.
وقال بعض السلف: ثلاثة يمتحن بها عقول الرجال: كثرة المال، والمصيبة والولاية.
وقال عبد الله بن محمد الهروي: من جواهر البر، كتمان المصيبة، حتى يظن أنك لم تصب قط.
وقال عون بن عبد الله: الخير الذي لا شر معه: الشكر مع العافية، والصبر مع المصيبة.
(فصل: في أن الجزع لا يرد المصيبة بل يضاعفها)
وليعلم المصاب أن الجزع لا يرد المصيبة بل يضاعفها، وهو في الحقيقة يزيد في مصيبته، بل يعلم المصاب أن الجذع يشمت عدوه، ويسوء صديقه، ويغضب ربه، ويسر شيطانه، ويحبط أجره، ويضعف نفسه.
وإذا صبر واحتسب أخزى شيطانه، وأرضى ربه، وسر صديقه، وساء عدوه، وحمل عن إخوانه وعزاهم هو قبل أن يعزوه، فهذا هو الثبات في الأمر الديني، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر» .
فهذا هو الكمال الأعظم، لا لطم الخدود وشق الجيوب، والدعاء بالويل والثبور، والتسخط على المقدور.