قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ:
(وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ)
وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ أَيْضًا {وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ} وَقَدْ بَيَّنَ صَاحِبُ دُرَّةِ التَّنْزِيلِ أَنَّ الْعَادَةَ فِي الدُّنْيَا مَنْ وَقَعَ فِي شِدَّةٍ لَهُ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ، الأُولَى أَنْ يُغْنِيَ عَنْهُ غَيْرُهُ مِنْ وَلَدٍ أَوْ وَالِدٍ أَوْ غَيْرِهِمَا؛ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ الشَّفَاعَةُ وَالْفِدَاءُ؛ وَالرَّابِعُ إذَا يَئِسَ مِنْ الثَّلاثَةِ أَنْ يَنْتَظِرَ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِغَيْرِ حِيلَةٍ مِنْهُ فَبَيَّنَ اللَّهُ نَفْيَ الأَقْسَامِ الأَرْبَعَةِ فِي الآخِرَةِ وَتَطَابَقَتْ الآيَتَانِ عَلَى تَقْدِيمِ الأَوْلَى وَتَأْخِيرِ الرَّابِعَةِ، وَاخْتَلَفَتَا فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ لاخْتِلافِ النَّاسِ تَارَةً يَبْدَءُونَ بِالشَّفِيعِ قَبْلَ الْفِدَاءِ، وَتَارَةً عَكْسُهُ؛ وَلَمْ يُبَيِّنْ صَاحِبُ الدُّرَّةِ مُنَاسَبَةَ خُصُوصِ كُلِّ آيَةٍ لِمَا جَاءَتْ بِهِ، وَخَطَرَ لِي أَنَّهُ فِي الأُولَى لَمَّا قَدَّمَ أَمْرَهُمْ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَالْمَأْمُورُ بِالْبِرِّ قَدْ يَشْفَعُ، فَقُدِّمَتْ الشَّفَاعَةُ، وَفِي الثَّانِيَةِ لَيْسَ إلا حَالُهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَقَدَّمَ الْفِدَاءَ؛ وَهُوَ الْعَدْلُ، وَجَاءَتْ عَلَى وَجْهٍ أَبْلَغَ مِنْ الأُولَى، كَمَا هُوَ الْعَادَةُ فِي الْمَوَاعِظِ، وَوَجْهُ الأَبْلَغِيَّةِ أَنَّ عَدَمَ الْقَبُولِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الأَخْذِ لِلْعَدْلِ، وَعَدَمُ نَفْيِ الشَّفَاعَةِ يَسْتَلْزِمُ قَبُولَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. انتهى. ا هـ {فتاوى السبكي حـ 1 صـ 20}