فصل
قال الفخر:
أما قوله تعالى: {ثُمَّ بعثناكم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} لأن البعث قد (لا) يكون إلا بعد الموت، كقوله تعالى: {فَضَرَبْنَا على ءاذَانِهِمْ فِى الكهف سِنِينَ عَدَدًا ثُمَّ بعثناهم لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أحصى لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا} [الكهف: 11، 12] .
فإن قلت: هل دخل موسى عليه السلام فِي هذا الكلام؟ قلت: لا، لوجهين.
الأول: أنه خطاب مشافهة فلا يجب أن يتناول موسى عليه السلام.
الثاني: أنه لو تناول موسى لوجب تخصيصه بقوله تعالى فِي حق موسى: {فَلَمَّا أَفَاقَ} مع أن لفظة الإفاقة لا تستعمل فِي الموت، وقال ابن قتيبة: إن موسى عليه السلام قد مات وهو خطأ لما بيناه.
أما قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} فالمراد أنه تعالى إنما بعثهم بعد الموت فِي دار الدنيا ليكلفهم وليتمكنوا من الإيمان ومن تلافي ما صدر عنهم من الجرائم، أما أنه كلفهم فلقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ولفظ الشكر يتناول جميع الطاعات لقوله تعالى: {اعملوا ءالَ دَاوُودُ شُكْرَاً} [سبأ: 13] ، فإن قيل: كيف يجوز أن يكلفهم وقد أماتهم ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكلف أهل الآخرة إذا بعثهم بعد الموت؟ قلنا: الذي يمنع من تكليفهم فِي الآخرة ليس هو الإماتة ثم الإحياء، وإنما يمنع من ذلك أنه قد اضطرهم يوم القيامة إلى معرفته وإلى معرفة ما فِي الجنة من اللذات وما فِي النار من الآلام وبعد العلم الضروري لا تكليف فإذا كان المانع هو هذا لم يمتنع فِي هؤلاء الذين أماتهم الله بالصاعقة أن لا يكون قد اضطرهم، وإذا كان كذلك صح أن يكلفوا من بعد ويكون موتهم ثم الإحياء بمنزلة النوم أو بمنزلة الإغماء.