قال - رحمه الله:
{قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ} أي سل لأجلنا ربك الذي عوّدك ما عوّدك يظهر لنا ما حالها وصفتها، فالسؤال فِي الحقيقة عن الصفة، لأن الماهية ومسمى الاسم معلومان ولا ثالث لهما لتستعمل {مَا} فيه، أما إذا أريد بقرة معينة فظاهر لأنه استفسار لبيان المجمل وإلا فلمكان التعجب وتوهم أن مثل هذه البقرة لا تكون إلا معينة، والجواب على الأول: بيان.
وعلى الثاني: نسخ وتشديد، وهكذا الحال فيما سيأتي من السؤال والجواب.
وكان مقتضى الظاهر على الأول: أي لأنها للسؤال عن المميز وصفا كان أو ذاتياً.
وعلى الثاني: كيف؟ لأنها موضوعة للسؤال عن الحال، و {مَا} وإن سئل بها عن الوصف لكنه على سبيل الندور، وهو إما مجاز أو اشتراك كما صرح به فِي"المفتاح"والغالب السؤال بها عن الجنس، فإن أجريت هنا على الاستعمال الغالب نزل مجعول الصفة لكونه على صفة لم يوجد عليها جنسه وهو إحياء الميت بضرب بعضه منزلة مجهول الحقيقة فيكون سؤالا عن الجنس تنزيلاً، وعن الصفة حقيقة.
وإن أجريت على النادر لم يحتج إلى التنزيل المذكور، والقول إنه يمكن أن يجعل {مَا هِىَ} على حذف مضاف أي ما حالها؟ فيكون سؤالاً عن نوع حال تفرع عليه هذه الخاصية على بعده خال عن اللطافة اللائقة بشأن الكتاب العزيز.
و {مَا} استفهامية خبر مقدم لهي والجملة فِي موضع نصب بيبين لأنه معلق عنها، وجاز فيه ذلك لشبهه بأفعال القلوب، والمعنى: يبين لنا جواب هذا السؤال.
{قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ} الفارض اسم للمسنة التي انقطعت ولادتها من الكبر، والفعل فرضت بفتح الراء وضمها ويقال لكل ما قدم وطال أمره فارض ومنه قوله:
يا رب ذي ضعن على فارض ... له قروء كقروء الحائض