بلد يسوسه وأنه مهما استرد فلا فرق بين أن يأمره الملك بخروجه بنفسه، أو يأمر غيره بإخراجه وهذا واضح لمن تصور حالتي الدنيا والآخرة، وعرف قدر الحياتين والميتتين فيهما، ومن الناس من جوّز ذلك إلا أنه استبعد وقوعه فقال: معنى {فاقتلوا أَنفُسَكُمْ} ذللوا، ومن ذلك قوله:
إن التي عاطيتني فرددتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل
ولولا أن الروايات على خلاف ذلك لقلت به تفسيراً.
ونقل عن قتادة أنه قرأ: (فأقيلوا أنفسكم) والمعنى أن أنفسكم قد تورطت فِي عذاب الله تعالى بهذا الفعل العظيم الذي تعاطيتموه، وقد هلكت فأقيلوها بالتوبة والتزام الطاعة، وأزيلوا آثار تلك المعاصي بإظهار الطاعات. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 1 صـ 260}
قال الفخر:
أما قوله تعالى: {ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ} ففيه تنبيه على ما لأجله يمكن تحمل هذه المشقة وذلك لأن حالتهم كانت دائرة بين ضرر الدنيا وضرر الآخرة، والأول أولى بالتحمل لأنه متناه، وضرر الآخرة غير متناه، ولأن الموت لا بد واقع فليس فِي تحمل القتل إلا التقدم والتأخير، وأما الخلاص من العقاب والفوز بالثواب فذاك هو الغرض الأعظم.
أما قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} ففيه محذوف، ثم فيه وجهان:
أحدهما: أن يقدر من قول موسى عليه السلام كأنه قال: فإن فعلتم فقد تاب عليكم، والآخر: أن يكون خطاباً من الله لهم على طريقة الالتفات فيكون التقدير ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم بارئكم.
وأما معنى قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم} ، فقد تقدم فِي قوله: {فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم} . انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 77}