[من روائع الأبحاث]
(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
وأمّا تعلّقهم بقوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} ، وقوله: {وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور: 41] ، وقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [الحج: 18] ، وقوله: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ} [الرحمن: 6] ، وقوله: {لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر: 21] ، فإنّه لا تعلّق لهم في شيء منه، ولا إحالة فيه بوجه.
وذلك أنّ قوله: {لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً} أي: لو أنزلناه على جبل يعقله ويسمعه لا نقضّ وتصدّع على ما هو عليه من عظمة وصلابة، ولو كان ممّن يعقل على وجه التقدير، ويمكن أن يكون أراد أنّنا لو عقّلنا الجبل وأسمعناه القرآن لا نقضّ وتصدّع من خشية الله.
فأمّا ما أخبر به من سجود الشمس والقمر والجبال والشجر وغير ذلك، وتسبيح هذه الأشياء فإنّما أراد به - وهو أعلم - الإخبار عن ذلّها وتواضعها، والذلّ والتواضع الحاصل فيها إنّما هو فقرها وحاجتها إلى صانع يصنعها، ومدبّر يدبّرها ويقيم ذواتها، ولولاه لم تكن، وكذلك قوله: {يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} أي: أنّ فيه آثار الصنعة ودلائل الفاقة والحاجة، فسمي بذلك هبوطا وخضوعا وسجودا وتسبيحا على هذا التأويل، ولم يرد السجود بالجبهة والتسبيح الذي هو النطق، قال جرير:
لمّا أتى خبر الزّبير تضعضعت ... سور المدينة والجبال الخشّع
وقال ابن أحمر الشاعر:
وعرفت من شرفات مسجدها ... حجرين طال عليهما العصر
بكيا الخلاء فقلت إذ بكيا ... ما بعد مثل بكاكما صبر
والحجارة لا تبكي ولا تخشع إلا على التمثيل والتقدير والإخبار عن عظم الأمر وأنّه ممّا تهدّ الجبال وتبكي له على وجه التعظيم للشأن.
وقال آخر:
ساجد المنخر لا يرفعه ... خاشع الطرف أصمّ المستمع
ولم يرد سجود الجبهة.
وقال أمية:
سبحان من سبّحت طير الفلاة له ... والرّيح والرّعد والأنعام والكفر
يعني بالكفر مواضع الرهبان، وهي الصوامع، وقال أيضا:
هو الذي سخّر الأرواح ينشرها ... ويسجد النجم للرحمن والقمر